واحة الثقافة

قراءة تحليلية ” لنور منصور” لعرض مسرحية “الآخر”..

الشاهين الاخباري – نور منصور

حَلَّقنا الليلة على خشبة مسرح المركز الثقافي الملكي الأردني في بُعد آخر من خلال أداء مسرحي ساحر وكثيف لمسرحية (الآخر). النَّص من تأليف الكاتب المسرحي الإسباني ميجيل دي أونامونو ومن إخراج المُبدع حسين نافع. تمثيل المدهشتين أريج دبابنة و إنجي لكود .بطولة: المرآة.

من يحب المسرح عليه أن يكون قادراً على استحضار المشاعر واستنطاق العاطفة وهذا ما نجح فيه الليلة مخرجنا العظيم حسين نافع، فقد صفعنا أمام الوجه الآخر لمعنى الحياة؛ لم يكسر اعتيادنا فحسب، ولكنه فوق ذلك جعلنا ننتبه إلى جوهر الحياة نفسه.

عندما تخرج من المسرح متماهياً مع رؤية المخرج العبقري ستدرك وقتها تفوق الأدب في كشف الحقيقة، ستعود إلى بيتك وأنت أحــدّ بصرًا وأنبل نفسًا، وأكثر ترفعًا عن سخف نفسك وسخف الناس.

فلسفة الآخر برأيي قد تشبه إلى حدّ كبير لعبة الغميضة التي كنا نلعبها ونحن أطفال. هي محاولات واختبارات النمو خارج مفهوم الظلام والاختفاء السابق، هي السيطرة وتأكيد تلك السيطرة. هي أيضاً، وهذا هام، اختبار حدود الأنا النامية واستقلالها. عندما أخفي نفسي، أنت لا تراني بسهولة. لا تستطيع أن تراني وتقتحمني طوال الوقت. أنا لست عارياً لهذه الدرجة، اختفاؤه هو وضياعه هو نفسه. في العلاج، والتربية والحياة، وحتى الزواج والمحبة، قد يحتاج الآخر الناضج الاختباء عنك أحياناً؛ يحتاج أن يلعب لعبة الغميضة أو العزلة تأكيداً لاستقلاله عنك، لبناء شئ ما بعيداً عنك. أنت ترى حقه في ذلك.تراه وراء الستارة الشفافة، لكنك تلعب معه، لا تعثر عليه، أو تعثر عليه بعد قليل، في الوقت المناسب، أو تنتظر خروجه فتندهش، فتضحك له/معه. أحياناً، تختفي أنت والكلمة في الخلفية حتى يعثر عليك بنفسه وعلى ما قد تعني.

المعنى الرمزي للآخر، ممكن يكون تعبير عن احتياج عاطفي، احتياج ل”جسم” عاطفة الآخر، ومصدرها؛ احتياج لتعيين العاطفة، والشعور الجسدي بها، تجسيدها؛ مثل نوع ما من الجنس العاطفي الحميم؛ احتياج للإطمئنان على وجود العاطفة فعلياً، تأكيد وجودها، والتماس معها، تماس من نوع آخر. ممكن يكون تعبير عن رغبة في الإلتحام بالآخر، في البقاء بالقرب، القرب الشديد، الإلتصاق، عدم المغادرة، إذابة ذات في ذات، الإختفاء داخل الآخر؛ وهذا أحياناً سلبي، سلبي بمعنى الإستعداد لفقد الهوية، من أول التّمسح حتى الدخول واقتحام الآخر للبقاء فيه إلى الأبد. احتمال يكون الرغبة في الحماية، التمترس داخل الآخر، حتى منه نفسه، من الآخر.

ممكن يكون الخوف من الحرية والضياع فيها، رغبة في دخول صدر الآخر، قفصه، سجنه. رغبة في العمى، دفن العيون في صدر الآخر، تعمية الذات عن كل شيء، وعن داخل الآخر، قلبه، أحيانًا.القلب الذي نُطيِّرُهُ كفراشةٍ في حقول التعب، لكنه ما يلبث أن يعود بكامل جناحيهليتخبط في ذلِّ انتصاراته وجرائمه،لنكفّن هذا القلب بالتعب، ونطلقهُ في سماوات الآخرين، لن يفلح الآخر أن يزرعه في صخر أيامه،بمطرقةٍ من ورق، حتمية القدر ستلاحقه، مرآته ستكون له بالمرصاد!كلّفنا المرايا مالا طاقة لها بنا، توسلّنا إليها، أن تكشفنا،أن تكذبَ من أجلِ الآخر،المرآة.. خيبة الزجاج،عندما يصير بوجهين!الآخر هو الصدى، أنه كالسهم الذي يطير فلا يصيب ولا يستقر؛ لكنه يعود ليستقر في نفسه.

إن أزمة الإنسان تقريبًا، تكمنُ في عجزه عن تخيّل الآخر. آلام الآخر، تبقى آلامًا لا تعنينا، إلا إذا تبنّيناها من خلال المخيلة.القصة التي يحاول أن يرويها الآخر، هي كلماتٌ صمّاء، ملامحهُ يلفها الضباب، يصبح الآخر غير مرئيٍ، وبلا صوت، إذا لم نمنحه استعدادنا لتخيّل عالمه. هكذا هي الحياة، لا تعريف لها سوى أنها الآخر.أو بتعريف أدق هي الآخر الشبيه، أو المُكمّل، وليس “الآخر الجحيم” الذي تحدّث عنه سارتر. نعم، هناك آخر يصنع الوطن، وهناك آخر يصنع الغربة. هناك الآخر السجن، الآخر النقيض، الآخر الحصار، الآخر الأعمى الذي ينظر إليك ولا يراك، الآخر الأصم الذي يسمعك ولا يفهمك.

يمكنني في هذه اللحظة، أن أُصفق للمسرح، للمخرج حسين نافع بين بنات أفكاري. علّمني اليوم هذا البديع كيف أفكك هذه الأنماط الأزلية الكامنة في تقاليدنا السردية، منذ أساطير الخلق منذ قابيل وهابيل وحتى أحدث رواية خرجت من المطبعة للتو. ببساطة، صالحني مع الخطيئة. حسين نافع شكراً لك وعلى دعوتك الكريمة، رسمت الليلة لوحة فكرية في عقولنا، حتى تمنيّت لو كانت مدة العرض لهذا العمل الإبداعي أطول بكثير لأستمتع بهذه التحفة الفنية الخارجة عن السّائد والمألوف و هذا الزخم الفلسفي الذي يحمل بين ثناياه كل الحقيقة عن “الآخر”.

زر الذهاب إلى الأعلى