فلسطين

الاستيطان في غزة.. إحياء على حساب الأحياء

الشاهين الاخباري

شكل ما يسمى مؤتمر “النصر والعودة إلى غزة” انعطافة في تجسيد شهوة إسرائيلية، تنادي بـ”تصحيح الظلم التاريخي” و”محو العار” و”استعادة جزء من أرض الميعاد”، حسب وصـف من تـدور في خلـدهم هذه النزعات.

المؤتمر نظمته جمعيات استيطانية وأحزاب اليمين المتطرف الإسرائيلي في كانون الثاني/ يناير الماضي على أراضي القدس المحتلة، بمشاركة 12 وزيرا من حكومة الاحتلال، ونحو 14 عضو كنيست.

بن غفير وسموتريتش وكاتس وداغان، كان لمشروع إعادة بناء المستوطنات في قطاع غزة نصيب الأسد من خطاباتهم أمام مئات المؤتمرين، واستخدموا لدعمه عبارات تحريضية رنانة، فيما نصبت يافطة فوق رؤوس الحضور كتب عليها: “الترانسفير وحده ما سيجلب السلام”.

ووقع الوزراء وأعضاء الكنيست إلى جانب المشاركين عريضة “معاهدة النصر وتجديد الاستيطان في قطاع غزة وشمال الضفة الغربية”، بداعي أن ذلك وحده ما سيحقق “الأمن” لدولة الاحتلال.

وفي المؤتمر، عرض مخطط ينص على إقامة عدة بؤر استيطانية في قطاع غزة، إحداها في بيت على مشارف بيت حانون شمالاً، تحمل اسم “يشي”، وبؤرة أخرى باسم “ماعوز” تقام على الساحل الجنوبي لقطاع غزة، و”شعاري حيفل غزة” في خان يونس، وبؤرة مخصصة للمستوطنين الحريديين جنوب رفح تسمى “حيسد لألفيم”.

ونشرت في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، شركة العقارات الإسرائيلية “جبال الذهب” إعلانين لمشاريع بناء استيطاني داخل قطاع غزة، الأول بعنوان “الآن وبسعر الاستفتاح”، والثاني “استيقظوا. بيت على الساحل. هذا ليس حلما”، وشمل على رسم هندسي ومخططات للبيوت المنوي بناؤها وبجوارها صور بيوت الفلسطينيين المدمرة.

وبحسب عليان الهندي، الباحث في الشأن الإسرائيلي، فإن هناك مخططات قديمة ترعاها المؤسسات العميقة في دولة الاحتلال، أحدها تضمن فكرة الاستيلاء على المنطقة الممتدة من وادي غزة حتى شمال القطاع في إطار أي حرب قادمة شاملة تشن ضد قطاع غزة، بغية إخضاعها للسيادة الإسرائيلية وإقامة المستوطنات هناك.

وأشار إلى أنه وبتتبع كل الحروب التي كان يشنها الاحتلال على قطاع غزة، يبرز دوما الحديث من قبل المسؤولين الإسرائيليين ومن كافة الأحزاب، عن طرد المواطنين وإقامة المستوطنات، ويضاف إلى ذلك أن الخطاب الرسمي ما زال يتعامل مع القطاع بذات المصطلحات التي كانت تستخدم قبل الانسحاب منه عام 2005، ومثال ذلك تكرار مصطلحي “حيفل عزة” و”الإدارة المدنية” في العدوان الحالي.

وقال عليان: “الجيش ما زال متمسكا بالمصطلحات القديمة، حاله حال من يؤمنون بأن هناك وعدا ربانيا بالعودة للاستيطان في قطاع، وبالتالي لا المؤسسة الرسمية ولا الاستيطانية اليمينية المتطرفة التي تؤمن بـ(الخلاص وجمع المنافي) تخلت عن هذه الفكرة”.

ونشطت مخططات إعادة احتلال قطاع غزة والعودة للاستيطان فيها بمجرد أن صادقت الكنيست الإسرائيلية على تنفيذ خطة الانسحاب أحادي الجانب، التي أقرها وزير حكومة الاحتلال الأسبق أريئيل شارون عام 2005، وشملت إخلاء 8000 مستوطن من قطاع غزة، و2000 آخرين من 4 مستوطنات أقيمت على أراضي جنين ونابلس شمال الضفة الغربية.

ويعد رئيس حكومة الاحتلال الأسبق إسحق رابين عراب فكرة الاستيطان في قطاع غزة، التي بدأت عام 1973 ببؤرة استيطانية أولى حملت اسم “ناحال قطيف”، إلى أن وصلت عام 2005 إلى 21 مستوطنة، 16 منها بين دير البلح ورفح تعرف باسم تجمع “غوش قطيف” الاستيطاني، إلى جانب 5 مستوطنات أقيمت على أراضي شمال القطاع.

وقالت عضو الكنيست ليمور سون هار ميلخ من حزب “عظمة يهودية” ليمور سون هار ميلخ: “فرحتنا غير متناهية عقب التصحيح التاريخي، لكننا يجب أن نواصل المهمة حتى تكتمل”.

كان هذا جزءا من خطاب ألقته في آذار/ مارس الماضي 2023، عقب مصادقة الكنيست على مشروع قانون قدمه عضو الكنيست عن حزب “الليكود” يولي إدلشتاين، وينص على إلغاء بنود من قانون “فك الارتباط”، كانت تحظر على المستوطنين دخول نطاق 4 مستوطنات أخليت في شمال الضفة الغربية، وهي “جانيم” و”كديم” و”حومش” و”سانور”.

وأضافت هار ميلخ في خطابها: “مهمتنا الآن هي ضمان استعادة المستوطنات الأربع التي تم إخلاؤها، ومهمتنا الأخرى هي العودة إلى تلك الموجودة في غوش قطيف وإعادة بنائها”.

ويؤكد الباحث في الشأن الإسرائيلي وديع عواودة، أنه وبعد 3 سنوات من تنفيذ خطة “فك الارتباط” ظهرت فكرة العودة إلى “غوش قطيف”، وكان وزير البناء والإسكان الإسرائيلي الأسبق أوري أريئيل، الذي يعتبر أحد قادة المجلس الاستيطاني “يشع”، تحدث عن إمكان العودة قائلا في مؤتمر للصهيونية الدينية “سنعود إلى غوش قطيف عاجلاً أم آجلاً”.

ورصدت تصريحات لوزيرة الاستيطان الحالية أوريت ستروك قالت فيها إن العودة إلى “ناحية غزة” منوطة بعدد كبير من الضحايا، لكن لا شك في أنه في نهاية المطاف هي جزء من “أرض إسرائيل” وسيأتي اليوم الذي نعود فيه إليها، فيما لم يتوان وزير التراث ‎الإسرائيلي عميحاي إلياهو عن طرح فكرة شن ضربة نووية على القطاع للخلاص من أهله.

وكتب عواودة في ورقة سياسات نشرتها مؤسسة الدراسات الفلسطينية: “منذ فك الارتباط عن غزة عام 2005 كانت فكرة العودة إلى مستعمرات غوش قطيف تراود بعض الجهات اليهودية المتشددة والغيبية، لكنها بقيت محصورة في دوائر ضيقة جدا لعدم واقعيتها واعتبارها فكرة عبثية أو مجنونة، لكنها عادت لتُطرح من جديد، وتجد هذه المرة تأييدا أكبر بكثير مقارنة بما كان قبل الحرب على غزة، وسط تأييد علني واضح من وزراء ونواب كنيست”.

وكشفت عمليات التوغل البري في قطاع غزة، التي باشر بها جيش الاحتلال بعد عشرين يوما من انطلاق عدوانه في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، ما يعتمل دواخل المستويات السياسية والعسكرية الإسرائيلية من مخططات.

ومؤخرا تم تداول مقطع مصور لأحد جنود الاحتلال وهو يهتف داخل قطاع غزة: “سنكمل المهمة التي كلفنا بها. اغزُ واطرد واستقر”.

وقبل ذلك نقل عن ناطقة سابقة بلسان مجلس الاستيطان تدعى إميلي عروسي قولها، إن صور الجنود على خرائب مستوطنات “غوش قطيف” تثير في دواخلنا عاصفة وجدانية.

ولا يمكن لهذه المواقف أن تتبلور إلا إن اتكأت على مواقف رسمية تنادي بتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة والعودة للاستيطان هناك، وفعلا تجلى ذلك في التصريحات التي أطلقها الوزراء والمسؤولون المشاركون في المؤتمر الاستيطاني آنف الذكر.

رئيس مجلس المستوطنات في الضفة يوسي داغان، قال: “نحن عائدون إلى غوش قطيف. الآلاف الذين جاءوا إلى هنا هذا المساء، بينهم وزراء وأعضاء كنيست، جاءوا لإحياء حدث مهم في عملية إصلاح شاملة لدولة إسرائيل. لقد ناضلنا معًا لمدة 16 عامًا من أجل تصحيح عار فك الارتباط والترحيل وتهجير المستوطنات”.

ومع بدء خطاب بن غفير في المؤتمر المذكور، هتف الحاضرون “ترانسفير… ترانسفير”، فرد على ذلك بالقول: “أنتم على حق، يجب تشجيعهم على المغادرة الطواعية. الهروب من مستوطنات غوش قطيف جلب الحرب. نحن بحاجة إلى العودة إلى بيتنا والسيطرة على الأرض والدفع نحو حل لتشجيع الهجرة”.

أما سموتريتش فتساءل “هل نهرب مرة أخرى ونترك بؤرة القتل تنمو من جديد خلف السياج؟ أم نتعلم الدرس عبر الاستيطان على طول وعرض البلاد والسيطرة عليها لجلب الأمن إلى دولة إسرائيل بأكملها؟”.

في حين، قال وزير السياحة الإسرائيلي يسرائيل كاتس: “كنت أنتمي إلى مجموعة تسمى المتمردين وحاربت ضد الطرد من غوش قطيف. لقد مررنا بهذه العملية المهينة، واليوم بعد 18 عامًا لدينا الفرصة للقيام والبناء وتجديد وتوسيع أرض إسرائيل. سنفعل ذلك، لأنها بالنسبة لنا مباراة نهائية، ليس لها جولة إعادة ولا فرصة أخرى للتعويض”.

وإثر ما طرح فيما يسمى مؤتمر “النصر والعودة إلى غزة” من تصريحات وما عرض فيه من مخططات، وصف بأنه طلقة البداية لمشاريع يعتزم المستوطنون تنفيذها في الأشهر المقبلة، تشبه إلى حد بعيد إقامة البؤر الاستيطانية العشوائية على أراضي الضفة الغربية.

وبادرت إلى هذا المخطط رئيسة الحركة الاستيطانية “نِحالا”، دانييلا فايس، مع رئيس مجلس المستوطنات  يوسي داغان، ويقوم في مرحلته الأولى على تجنيد الرأي العام الداخلي وكسب التأييد الخارجي، وجمع عائلات توافق على الانتقال للاستيطان في القطاع.

وأشار عواودة إلى أن مجموعات “استيطانية طلائعية” بدأت تنظم صفوفها من أجل إطلاق مشروع إحياء مستوطنات “غوش قطيف” داخل قطاع غزة، وفيما يقوم بعضها بخطوات عملية وتسجيل آلاف الإسرائيليين الراغبين في العودة، يرى البعض الآخر أنه لا بد من التريث واستكمال المرحلة الأولى من المشروع بـ”تأليف القلوب” وإقناع المعنيين المحتملين أولا بالفكرة.

ولم يكن مؤتمر “النصر والعودة إلى غزة” الأول من نوعه الذي يعقد منذ انطلاق العدوان على قطاع غزة، فقد رصد عقد اجتماعين على غرار مشابه، أحدهما في مدينة أسدود في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، والتقت فيه مجموعة من المنظمات الاستيطانية تحت شعار “العودة إلى الوطن”، والثاني في 11  كانون الأول/ ديسمبر ونظم في تل أبيب بعنوان “الاستعداد العملي للعودة إلى غزة”.

وفي أكتوبر/ تشرين الأول الفائت، جرى استبدال اسم صفحة على موقع فيسبوك من “العودة إلى غوش قطيف” إلى “العائدون لقطاع غزة”، علما أن الصفحة أطلقت في تموز / يوليو 2014، ويتابع محتواها أكثر من 10 آلاف شخص.

ومن متحف يحمل اسم “غوش قطيف” في القدس المحتلة، لوحظ مؤخرا إقبال المستوطنين على اقتناء قمصان برتقالية اللون، تحمل شعار “الوطن، العودة إلى غوش قطيف”، واعتمد هذا اللون من قبل الحركة التي قادت الاحتجاجات على تنفيذ خطة “فك الارتباط” وإخلاء مستوطنات قطاع غزة.

وفي تشرين الأول/ اكتوبر 2016 نشرت نتائج استطلاع رأي كشفت أن 80% من مستوطني تجمع “غوش قطيف” الاستيطاني بغزّة، يريدون العودة له، وبحسب نتائج استطلاع آخر نشر في تموز/ يوليو 2015، فإن 51% من الاسرائيليين يدعمون اعادة بناء كتلة “غوش قطيف” الاستيطانية في قطاع غزة.

وقدم أعضاء كنيست من حزب “الليكود” مشروع قانون في 8 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، لتعديل قانون “فك الارتباط” لعام 2005 مرة أخرى، وهذه المرة لإلغاء البنود التي تمنع المستوطنين من دخول قطاع غزة.

وترجع القراءات طرح مشاريع رسمية لتهجير قطاع غزة وبناء المستوطنات إلى عدة عقود، حيث وفي عام 2010 اقترح رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، توطين الفلسطينيين في شبه جزيرة سيناء كجزء من تبادل الأراضي المتعلق باتفاق السلام.

وفي عامي 2012 و2014 أعاد نتنياهو اقتراح صيغ مماثلة، قوبلت جميعها بالرفض، وفي حزيران/ يونيو 2018، طرحت خطة لجيش الاحتلال تقوم على شن حملة عسكرية كبيرة تقسم قطاع غزة إلى نصفين شمالي وجنوبي، وتحتل أجزاء كبيرة منها لإحداث تغيير في الوضع القائم.

وفي عام 2019، دعا بن غفير إلى تسوية غزة بالأرض وإعادة بناء غوش قطيف.

وفي تموز/ يوليو 2022، كتب مرشح الصهيونية الدينية أرنون سيغال خلال إعلان حملته الانتخابية: “لقد حان الوقت لبدء التخطيط للعودة إلى غوش قطيف وإعادة بنائها”.

وشدد الباحث في الشأن الإسرائيلي عليان الهندي على أن الفكرة ما زالت على جدول الأعمال، خاصة أن الكثير من الضغط ما زال يمارس في الميدان بالقوة العسكرية بما يحول دون عودة المواطنين إلى مناطق شمال قطاع عزة، وإذا تقرر شن عدوان في رفح سيزداد الأمر قوة نحو هذا التوجه.

وحذر الهندي من الوقوع في خطأ حصر مخططات التهجير بنمو أحزاب اليمين المتطرف في إسرائيل وصعودها إلى سدة الحكم، انطلاقا من أن من يقود المعركة في دولة الاحتلال هي المؤسسات العميقة والجيش، وليست الأحزاب ولا بن غفير وسموتريتش.

وقال: “بن غفير وسموتريتش، ومن هم على شاكلتهما، يتبنون ذلك ويعبرون عما يجري على الأرض بطريقة فظة، لإثارة اهتمام الرأي العام وزيادة شعبيتهم، ولكن الحقيقة من يقوم بهذه الأعمال وينفذها مؤسسات الدولة العميقة وفي مقدمتها جيش الاحتلال”.

ويرى الباحث وديع عواودة أن فكرة إحياء مستوطنات قطاع غزة “ممكنة التطبيق مستقبلا على مبدأ أن الفكرة الصهيونية أصلا كانت عبثية وشبه أسطورية عندما طُرحت في القرن التاسع عشر، وقبل أن تتحقق في القرن العشرين. الأوساط تنشغل عمدا بالفكرة، وتقوم بخطوات فعلية تمهيدية كالمؤتمرات والمخططات من أجل (تأليف قلوب) الإسرائيليين أولا، كما يجري منذ سنوات في محاولة تطبيع فكرة تقاسم الأقصى”.

وفا- رامي سمارة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!