أقلام حرة

‎تعديل نص المادة ٤٩ من قانون الانتخاب… نسف العتبة وتعزيز الحشوات

‎النائب المحامي
‎زيد أحمد العتوم

‎أتت مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية بتعديلات دستورية وتعديلات على قانوني الانتخاب والاحزاب. وفي المجمل فقد تبنت الحكومة ومن ثم مجلس الأمة بشقية النواب والأعيان تلك التعديلات وتم إقرارها.

‎ومن ضمن التعديلات، فقد تم استحداث نص ضمن المادة ٨٤ من الدستور توجب الحصول على أغلبية ثلثي أعضاء مجلسي النواب والأعيان في حال كان تعديل القانون يتعلق بقوانين الانتخاب ومنها قانون الانتخاب الذي تم اقراره من قبل مجلس النواب.

‎وكان الهدف من حزمة التعديلات تلك هو الانتقال من مرحلة سياسية لا يوجد فيها حياة حزبية حقيقية ولا مشاركة من الاحزاب في تشكيل الحكومات ولا برامج حزبية لإدارة البلاد. كما كانت وما زالت الكتل البرلمانية ضعيفة لانها غير مبنية على تجمعات أيديولوجية أو برامجية وبالتالي فلا شيء يجمعها غير الصداقات والمجاملات وربما المناطقية احيانا. لذلك فقد أتت المبادرة الملكية للانتقال التدريجي من تلك الحالة إلى حالة “أفضل” تكون المشاركة قيها بالسلطة بشكل أوسع وعلى أسس أكثر عدالة وديموقراطية، وبناء على تجمعات حزبية برامجية.

‎وفي بداية الأمر فقد أعلن رئيس اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية دولة السيد سمير الرفاعي بأن الانتقال يحتاج إلى عشرين عاما إلا أن جلالة الملك أصر على أن يكون الأثر ملموسا خلال عشة أعوام وذلك لتحفيز التغيير المنشود بوقت أسرع.

‎وقد كانت بدايات إقناع المواطنين بجدية خارطة التحديث تشوبها الشكوك بسبب التجارب السابقة التي لم تغير من الأمر شيئا، إلا أن الثقة بدأت بالعودة تدريجيا، حتى أتى تعديل نص المادة ٤٩ من قانون الانتخاب والتي أقرت من قبل مجلس النواب في جلسة يوم ٧-٤-٢٠٢٤.

‎وقد أرسلت الحكومة التعديل على تلك المادة بصيغة مشروع قانون بسرعة صاروخية وبعد بضعة أيام من تنظيم مذكرة من حوالي ٢٧ نائب يقترحون فيه التعديل في أول بادرة منذ سنوات طوال عجاف لم يكن ممكنا فيها تفعيل تلك الاداة الدستورية التي تتيح لمجلس النواب اقتراح القوانين، مثلما لم يتم فيها تفعيل أدوات دستورية أخرى كالاستجواب والتصويت الالكتروني والجلسات الرقابية وغيرها.

‎على كل حال، فقد كان القانون الأصلي قد أتى بمبدأ جديد لضمان وصول الأحزاب والقوائم الانتخابية القوية والكبيرة فقط دون الصغيرة والضعيفة وذلك بأن فرض مبدأ العتبة (أو نسبة الحسم). ففي القوائم العامة (قوائم الوطن) فلا بد من وصول القائمة المترشحة إلى ما نسبته ٢،٥% من مجموع المقترعين لكي تتأهل للحصول على مقاعد. أما في القوائم المحلية (قوائم المحافظات) فالعتبة هي ٧٪ من عدد المقترعين. وكما ذكر سابقا، فالهدف من مبدأ العتبة هو رفع فرصة وصول القوائم القوية لكي تحصل القائمة على أكثر من مقعد و بالتالي يتم تشكل كتل برلمانية متجانسة مترابطة يكون لديها ثقل سياسي.

‎أما مضمون التعديل الذي أتى من الحكومة فقد تم بموجبه فرض إلزامية وصول ما لا يقل عن قائمتين في الدوائر الانتخابية المحلية التي لديها مقعدين تنافسيين (عدا الكوته) كدوائر البدو الثلاثة وعجلون و العقبة ومأدبا، كما يجب أن لا يقل عدد القوائم الفائزة عن ثلاث قوائم في الدوائر التي يخصص لها ثلاثة مقعد تنافسية (عدا الكوته) مثل جرش والمفرق والطفيلة ومعان وباقي الدوائر الانتخابية.

‎وقد تم اقرار التعديل من قبل مجلس النواب باغلبية الثلثين تماما+١ وبسرعة كبيرة دون تحويل مشروع القانون للدراسة والنقاش والتجويد من قبل لجان المجلس وذلك خلافا للأهمية الكبيرة التي تم ايلائها للتعديلات التي أتت بها خارطة تحديث المنظومة السياسية ومع عدم مراعاة التحصين الوارد في الدستور لهذا القانون ، والمتمثل باشتراط الوصول إلى أغلبية الثلثين، لما له من أهمية كبيرة على شكل البرلمان القادم وعلى الاستقرار التشريعي المطلوب في مثل هذا القانون ليتم البناء عليه.

‎أما أثر التعديل فهنا تكمن الاشكالية. فالتعديل وبلا شك يعزز مبدأ “الحشوات” في القوائم في الدوائر المحلية. ففي الدائرة الانتخابية المحلية التي يوجد فيها مقعدين فإن القوائم النسبية المفتوحة يتم تشكيلها على أمل حصول أكثر من مرشح في القائمة نفسها على عدد كاف من الأصوات يؤهلهم للحصول على مقاعد. أما الآن وبموجب هذا التعديل فلا أمل للقوائم في الدوائر التي لديها مقعدان أو ثلاثة فقط من الحصول على أكثر من مقعد واحد. وبالتالي فقد تم نسف مبدأ القوائم ونسف لمبدأ العتبة وأصبح مبدأ العتبة مفرغا من مضمونه. وبالتالي فلا تجمعات سياسية وفكرية ستصل إلى مجلس النواب من تلك الدائر، وسيصل كل فائز بالمقعد في تلك الدوائر المحلية بمفرده دون أي أحد من قائمته. وعليه فإنه سيكون من الصعب جدا تشكيل القوائم في تلك الدوائر المحلية لأنها ستكون عبارة عن قوائم فيها فائز واحد مضافا إليه بعض الحشوات التي لا أمل لهم بالفوز.

‎إن حجة المدافعين عن هذا التعديل ملخصه هو أن الاحزاب السياسية غير جاهزة، وبالتالي فلا يجوز أن تستأثر الأحزاب الحالية الكبيرة بكل المقاعد في تلك الدوائر الانتخابية وبالتالي فيجب توزيعها على الجميع لتكون ديموقراطيتنا هي ديموقراطية توافقية. وعليه فيجب أن يتم الانتقال التدريجي البطيء لضمان ذلك الانتقال العادل.

‎أما الرد على تلك الذرائع فقد تم التناسي بأن جلالة الملك يرغب بانتقال سريع خلال مدة عشر سنوات، وتم التناسي بأن تلك الدوائر هي دوائر محلية وليست دوائر عامة، وسبق وأن تم إجراء انتخابات ٢٠٢٠ بناء عليها ولم تستطع أي من “الأحزاب الكبيرة” الاستئثار بمقاعد أي دائرة انتخابية. والأهم هنا هو أن ذلك التعديل يعطي إشارة بأن التحديث السياسي منقوص، وبأن التجمعات محاربة وغير مرحب بها، وبأن التشريعات التي تم اقرارها سابقا غير مضمونة ومن الممكن بأن يتم تعديلها مرة أخرى وبسهولة في حال لم تعجب تشكيلة البرلمان الحكومة.

‎إن الرسائل التي تم توجيهها بهذا التعديل هي رسائل سلبية بلا شك وهي تتنافى مع تحديث المنظومة السياسية للبلاد. وعليه فإننا نأمل من مجلس الأعيان الاستفاضة في مناقشة تلك التعديلات ورفضها. فبالنهاية فإنه لا يصح إلا الصحيح.

‎لا يغرك عدم تعاطي المواطن مع هذا التعديل. فالطامة الكبرى ستأتي يوم الانتخابات، عندما يعي المواطن بأن مبدأ القوائم هو مبدأ في غير مكانه. وتأتي يوم انعقاد جلسات المجلس القادم عندما يعي المواطن بأن نوابه فرادى كل يغني على ليلاه، وبأن التجمعات السياسية غير مرحب بها.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!