
على أثير إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية.. حوار سياسي مع حمادة فراعنة وجورج رشماوي حول دور الجاليات الفلسطينية في أوروبا
الشاهين الإخباري
لقاء حواري جمع بين المحلل السياسي الكاتب الاستاذ حمادة فراعنة والسيد جورج رشماوي الفلسطيني المقيم في المانيا رئيس اتحاد الجاليات الفلسطينية في أوروبا (اجمع),.(وهذه الكلمة اجمع في رأي الاستاذ جورج أعمق دلالة من كلمة اتحاد لأنها دعوة لتجمع الفلسطينيين في أوروبا تحت مظلة موحدة).
لقاء حواري يستحق أن يُسمع، باعتباره نقاشًا سياسيًا يتجاوز الحديث التقليدي عن الجاليات الفلسطينية في أوروبا؛ لأنه يلامس التحول الأهم في السنوات الأخيرة:
انتقال الجالية الفلسطينية من مجرد تجمعات مهاجرة ولاجئة إلى فاعل مدني وسياسي وإعلامي يسعى للتأثير في البيئة الأوروبية وصناعة الموقف العام.
واللافت في إدارة الأستاذ حمادة فراعنة للحوار أنه لم يتعامل مع الضيف بمنطق السؤال الصحفي السريع، بل بنى الحوار سؤالًا فوق سؤال، وفكرة فوق فكرة، بحيث انتقل المستمع من التعرف إلى الاتحاد وبنيته الداخلية، إلى دوره السياسي والإعلامي، ثم إلى علاقاته الأوروبية، وصولًا إلى السؤال الأكبر:
ماذا تستطيع الجاليات الفلسطينية أن تفعل في معركة الرواية والموقف السياسي داخل أوروبا؟
الجاليات الفلسطينية في أوروبا من الشتات إلى التأثير السياسي
قراءة في اللقاء المفتوح للأستاذ حمادة فراعنة مع الأستاذ جورج رشماوي
في اللقاء المفتوح الذي أجرته إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية مع الكاتب والمحلل السياسي الأستاذ حمادة فراعنة، واستضاف فيه الأستاذ جورج رشماوي، رئيس اتحاد الجاليات الفلسطينية في أوروبا، لم يكن الحديث مجرد استعراض لأوضاع الفلسطينيين في القارة الأوروبية، ولا مجرد عرض لنشاط اتحاد يضم جاليات فلسطينية في عدد من الدول الأوروبية، بل كان حوارًا سياسيًا واجتماعيًا وإعلاميًا واسعًا حول التحول الذي طرأ على موقع الفلسطينيين في أوروبا، وعلى طبيعة حضور القضية الفلسطينية في الوعي السياسي والشعبي الأوروبي.
أهمية الحوار جاءت من أنه وضع الجالية الفلسطينية أمام سؤال أكبر من سؤال اللجوء والهجرة والاندماج: هل يستطيع الفلسطيني في أوروبا أن يتحول من متلقٍ للسياسات الأوروبية إلى مشارك في التأثير على هذه السياسات؟
ومن هنا كانت قيمة اللقاء.
(حمادة فراعنة… حين يصبح السؤال أداة تحليل)
من أبرز ما ميز الحوار أسلوب الأستاذ حمادة فراعنة في إدارة النقاش.
فهو لم يكن مجرد محاور يطرح مجموعة أسئلة معدة مسبقًا، وإنما كان يتابع إجابة الضيف بدقة، ويلتقط منها المفاتيح التي تقوده إلى السؤال التالي. ولذلك بدا الحوار متسلسلًا ومترابطًا، لا مجموعة أسئلة منفصلة.
وهذه إحدى أهم صفات المحاور السياسي المحترف: أن يستمع إلى الإجابة قبل أن يفكر في السؤال التالي.
فالسؤال عند فراعنة لم يكن غايته الحصول على تصريح، وإنما فتح مساحة جديدة من التفكير والتحليل.
كما أنه لم يتدخل في إجابات ضيفه، ولم يحاول فرض رأيه على الحوار، بل منح جورج رشماوي المجال الكافي لشرح تجربة الاتحاد، وتوضيح طبيعة عمله وعلاقاته ومواقفه.
وهذا النوع من الحوار مهم خصوصًا عندما يكون الضيف صاحب تجربة ميدانية وسياسية طويلة؛ لأن المقاطعة المستمرة قد تحول الحوار إلى سجال، بينما الاستماع الواعي يحوله إلى مادة معرفية.
(من الجالية إلى الاتحاد)
اللافت في حديث جورج رشماوي هو محاولة الانتقال من مفهوم (الجاليات الفلسطينية)بوصفها تجمعات متفرقة إلى مفهوم الاتحاد بوصفه إطارًا جامعًا.
فالحديث عن وجود فلسطيني في 17 دولة أوروبية، وعن لجان ومؤسسات تعمل تحت مظلة الاتحاد، يعكس محاولة لبناء شبكة فلسطينية أوروبية أكثر تنظيمًا.
وهنا تظهر أهمية التنظيم.
فالجالية مهما بلغ عدد أفرادها تبقى محدودة التأثير إذا لم تمتلك مؤسسات قادرة على تنظيم طاقاتها، وتحديد أولوياتها، وبناء علاقاتها، وإنتاج خطابها الإعلامي، والتواصل مع المؤسسات السياسية والمدنية في البلدان التي تعيش فيها.
ولهذا كان حديث عشماوي عن اللجان الأربع داخل الاتحاد مهمًا، خصوصًا لجان العلاقات الداخلية والخارجية، واللجنة المالية، واللجنة الإعلامية.
إنها محاولة لتحويل الوجود الفلسطيني من حالة اجتماعية إلى بنية مدنية منظمة.
أكبر (مخيم فلسطيني) خارج فلسطين
من أكثر الأفكار دلالة في اللقاء وصف تجمع الجاليات الفلسطينية في أوروبا بأنه أشبه بأكبر مخيم فلسطيني في العالم.
قد يبدو التعبير رمزيًا، لكنه يحمل دلالة سياسية عميقة.
فالمخيم الفلسطيني تاريخيًا لم يكن مجرد مكان للسكن، وإنما أصبح أحد رموز الذاكرة الفلسطينية، واللجوء، والتمسك بالهوية والحق في العودة.
أما اليوم، فإن الفلسطيني الذي يعيش في أوروبا لا يعيش بالضرورة في مخيم، لكنه يحمل معه ذاكرة المخيم والقضية والهوية.
والتحدي هنا هو: كيف تتحول هذه الذاكرة إلى فعل مدني وسياسي مؤثر؟
الإجابة التي قدمها اللقاء كانت واضحة: بالتنظيم، والتعليم، والاندماج، والعمل السياسي، والإعلام، وبناء العلاقات مع المجتمع الأوروبي.
(الاندماج لا يعني الذوبان)
من النقاط المهمة التي تناولها اللقاء مسألة اندماج الفلسطينيين في المجتمعات الأوروبية.
وهنا يجب التفريق بين مفهومين كثيرًا ما يجري الخلط بينهما:
الاندماج والذوبان.
الاندماج يعني أن يتعلم اللاجئ لغة البلد الذي يعيش فيه، ويفهم نظامه السياسي والقانوني، ويشارك في مجتمعه، ويعمل ويدرس ويمارس حقوقه المدنية والسياسية.
أما الذوبان فيعني التخلي عن الهوية والذاكرة والانتماء.
والفكرة التي يطرحها الاتحاد تبدو قائمة على معادلة مختلفة: أن يكون الفلسطيني مواطنًا فاعلًا في المجتمع الأوروبي، وفلسطينيًا متمسكًا بهويته وحقوق شعبه في الوقت نفسه.
وهذا تحديدًا ما يجعل التركيز على الشباب مهمًا.
فالشاب الفلسطيني الذي يتعلم لغة البلد الأوروبي، ويدخل الجامعة، وينخرط في المجتمع المدني، وينضم إلى حزب سياسي، ويشارك في الانتخابات، ويصل إلى البلدية أو البرلمان، يصبح أكثر قدرة على التأثير من شخص يكتفي بالاحتجاج من خارج النظام السياسي.
السياسة لا تُصنع في الشوارع وحدها
من أهم ما حمله اللقاء من رسائل أن دعم القضية الفلسطينية في أوروبا لا ينبغي أن يبقى محصورًا في المظاهرات والبيانات.
المظاهرات مهمة، والحراك الشعبي مهم، لكنه ليس كل شيء.
هناك البرلمان.
هناك البلديات.
هناك الأحزاب.
هناك النقابات.
هناك الجامعات.
هناك مؤسسات المجتمع المدني.
هناك مراكز الأبحاث.
هناك الإعلام.
وهناك الانتخابات.
وهنا تحديدًا تظهر فكرة شديدة الأهمية تحدث عنها عشماوي: دعم الفلسطينيين للانخراط في الحياة السياسية الأوروبية، والوصول إلى البرلمانات والبلديات، ومساندة الشخصيات والأحزاب التي تتبنى مواقف أكثر تقدمًا تجاه الحقوق الفلسطينية.
فالسياسة الأوروبية لا تُغيّرها العواطف وحدها، وإنما تتأثر أيضًا بالأصوات الانتخابية، والتحالفات الحزبية، والضغط الشعبي، والنقابات، والمؤسسات المدنية، وصناعة الرأي العام.
وهذا يعني أن الجالية الفلسطينية تستطيع أن تتحول من كتلة اجتماعية إلى قوة مدنية انتخابية إذا أحسنت تنظيم حضورها.
(معركة الرواية)
ربما كانت المعركة الإعلامية واحدة من أخطر القضايا التي تطرق إليها الحوار.
فالصراع الفلسطيني الإسرائيلي لم يكن يومًا صراعًا على الأرض فقط؛ بل كان أيضًا صراعًا على الرواية.
من يروي القصة؟
من يحدد المصطلحات؟
من يملك المنابر؟
من يصل إلى الصحافة؟
من يؤثر في الجامعات؟
من يستطيع مخاطبة الرأي العام الأوروبي؟
ولهذا فإن بناء إعلام فلسطيني قادر على تقديم المعلومات الدقيقة، والاعتماد على مصادر موثوقة، ومواجهة التضليل، لا يقل أهمية عن العمل السياسي.
والأهم أن الخطاب الفلسطيني الناجح في أوروبا لا ينبغي أن يكون خطابًا انفعاليًا فقط، بل خطابًا يستند إلى القانون الدولي، والوثائق، والحقائق، وشهادات الضحايا، واللغة التي يستطيع المواطن الأوروبي فهمها والتفاعل معها.
وهنا يصبح الإعلام وسيلة لإعادة تعريف القضية الفلسطينية في الوعي الأوروبي باعتبارها قضية حقوق وحرية وعدالة وكرامة إنسانية، لا مجرد صراع سياسي بعيد عن المواطن الأوروبي.
(التحول الأوروبي بعد السابع من أكتوبر)
تطرق الحوار إلى التحولات التي شهدها الرأي العام الأوروبي بعد أحداث السابع من أكتوبر وما تبعها من حرب واسعة على الفلسطينيين في غزة.
ومن المهم هنا التمييز بين الحكومات والشعوب.
فالموقف الرسمي الأوروبي ليس كتلة واحدة، والمجتمعات الأوروبية ليست كتلة واحدة أيضًا.
هناك حكومات تختلف مواقفها، وأحزاب تختلف، وبرلمانات تختلف، وحركات شعبية تختلف.
لكن ما شهدته عواصم ومدن أوروبية من مظاهرات وحركات تضامن مع الفلسطينيين أظهر أن القضية الفلسطينية لم تعد قضية هامشية في جزء واسع من المجتمع المدني الأوروبي.
وقد ساهمت الجامعات والنقابات والمنظمات الحقوقية والحركات الشعبية في إبقاء القضية حاضرًة في المجال العام.
(لماذا تبدو بلجيكا نموذجًا مهمًا؟)
الحديث عن بلجيكا في اللقاء كان لافتًا؛ لأنها تمثل نموذجًا يمكن دراسة تجربته في العلاقة بين الجالية والحراك الشعبي والمؤسسات السياسية.
وجود جالية فلسطينية كبيرة، إلى جانب جاليات عربية أخرى، وحضور حركات شعبية ونقابات وأحزاب متعاطفة مع الحقوق الفلسطينية، يفتح المجال أمام شبكة واسعة من العلاقات.
وهنا تأتي أهمية العلاقات بين الجاليات الفلسطينية والجاليات العربية الأخرى، وخاصة المغربية والجزائرية.
فالقضية الفلسطينية ليست مسؤولية الفلسطينيين وحدهم.
كلما استطاعت الجالية الفلسطينية بناء تحالفات مع القوى المدنية العربية والأوروبية، أصبحت قدرتها على التأثير أكبر.
وهذه نقطة استراتيجية مهمة: العمل الفلسطيني في أوروبا لا ينبغي أن يكون فلسطينيًا فقط؛ بل يجب أن يكون فلسطينيًا–عربيًا–أوروبيًا مع كل القوى التي تتقاطع معه في قيم العدالة وحقوق الإنسان والقانون الدولي.
أوروبا ليست موقفًا واحدًا
من الأخطاء السياسية النظر إلى أوروبا باعتبارها دولة واحدة ذات موقف واحد.
هناك فروق كبيرة بين ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإسبانيا وأيرلندا وبلجيكا والدول الاسكندنافية وغيرها.
لكل دولة تاريخها، وحساباتها السياسية، وأحزابها، ومجتمعها المدني، وتركيبتها الاجتماعية، وموقفها من القضية الفلسطينية.
ولهذا فإن السياسة الفلسطينية الناجحة في أوروبا تحتاج إلى سياسات متعددة وليست سياسة واحدة.
ما يصلح في ألمانيا قد لا يصلح في إسبانيا.
وما يؤثر في بلجيكا قد لا يؤثر في بريطانيا.
وما يمكن تحقيقه من خلال النقابات في دولة، قد يتحقق من خلال البرلمان أو الجامعات في دولة أخرى.
وهنا تكمن أهمية امتلاك الجالية الفلسطينية معرفة دقيقة بالبنية السياسية والاجتماعية لكل دولة.
ألمانيا… عقدة التاريخ
أشار الحوار أيضًا إلى خصوصية الموقف الألماني، وهو موضوع بالغ الحساسية.
فالتاريخ الألماني، وخاصة إرث النازية والهولوكوست، ترك أثرًا عميقًا على السياسة الألمانية تجاه إسرائيل واليهود.
لكن التعامل مع هذه المسألة يحتاج إلى قدر كبير من الحكمة.
فالاعتراف بجريمة الهولوكوست ورفض معاداة السامية لا يتعارضان مع الدفاع عن حقوق الفلسطينيين ورفض انتهاكات حقوق الإنسان.
بل إن الخطاب الفلسطيني الأكثر قوة في أوروبا هو الذي يستطيع أن يقول بوضوح:
نرفض العنصرية ضد اليهود، كما نرفض العنصرية ضد الفلسطينيين، ونرفض معاداة السامية كما نرفض إنكار الحقوق الفلسطينية.
هذه اللغة الأخلاقية والقانونية أكثر قدرة على الوصول إلى المجتمع الأوروبي من الخطاب الذي يضع الشعوب في مواجهة بعضها.
(بريطانيا وفرنسا والاعتراف بالدولة الفلسطينية)
الحديث عن الاعتراف بالدولة الفلسطينية في أوروبا يمثل تحولًا سياسيًا مهمًا، لكنه ليس نهاية الطريق.
فالاعتراف السياسي، مهما كانت قيمته الرمزية، يحتاج إلى ترجمة عملية.
وهنا تبرز الأسئلة الأصعب:
هل يتحول الاعتراف إلى ضغط سياسي؟
هل يتحول إلى خطوات دبلوماسية؟
هل يرتبط بموقف أكثر وضوحًا من الاستيطان؟
هل تتحول المواقف إلى سياسات ملموسة داخل المؤسسات الدولية؟
هل تصبح هناك إرادة أوروبية أكثر استقلالًا في التعامل مع القضية الفلسطينية؟
هذه هي النقطة التي يجب الانتقال إليها.
فالفلسطيني لا يحتاج فقط إلى بيانات تضامن.
يحتاج إلى سياسة أوروبية فاعلة.
من التعاطف إلى الشراكة
من أجمل الأفكار التي يمكن استخلاصها من الحوار أن هناك فرقًا بين “التعاطف مع فلسطين” و(العمل من أجل فلسطين).
الأول قد يكون عاطفة.
أما الثاني فهو التزام.
والعمل السياسي الحقيقي يحتاج إلى بناء شراكات مع الأشخاص والمؤسسات والأحزاب والنقابات والجامعات ومراكز الدراسات والمنظمات الحقوقية التي تؤمن بحقوق الشعب الفلسطيني.
ولهذا فإن التواصل مع القوى الأوروبية الصديقة ليس عملًا موسميًا مرتبطًا بحرب أو أزمة، بل ينبغي أن يتحول إلى شبكة علاقات مستدامة.
الجالية الفلسطينية… قوة لم تُستثمر بالكامل
إذا كانت الأرقام والانتشار التي تحدث عنها اللقاء تعكس حجم الوجود الفلسطيني في أوروبا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو:
هل استثمر الفلسطينيون هذا الوجود سياسيًا بما يكفي؟
وجود مئات الآلاف من الفلسطينيين في أوروبا ليس مجرد رقم ديموغرافي.
إنه طاقة بشرية.
بين هؤلاء أطباء ومهندسون وأساتذة جامعات ومحامون وإعلاميون ورجال أعمال وطلاب وناشطون وأكاديميون وموظفون وناخبون.
كل واحد منهم يمكن أن يكون جسرًا بين فلسطين وأوروبا.
لكن هذه الطاقة لا تصبح قوة سياسية إلا عندما تنتظم.
ولهذا فإن مستقبل العمل الفلسطيني في أوروبا قد لا يكون في زيادة عدد البيانات، وإنما في زيادة عدد الشباب الفلسطينيين في الجامعات، والنقابات، والبلديات، والأحزاب، والبرلمانات، ومؤسسات المجتمع المدني والإعلام.
(الخلاصة)
الحوار بين الأستاذ حمادة فراعنة والأستاذ جورج رشماوي كان أوسع من حديث عن اتحاد جاليات.
كان حديثًا عن سؤال فلسطيني مركزي في المرحلة المقبلة:
كيف يتحول الشتات من حالة انتظار إلى حالة تأثير؟
لقد تغيرت أوروبا، وتغيرت وسائل التواصل، وتغيرت طبيعة الرأي العام، وأصبحت الجامعات والنقابات والحركات المدنية والمنصات الإعلامية والانتخابات ساحات أساسية للصراع السياسي.
ومن هنا فإن الجالية الفلسطينية في أوروبا أمام فرصة تاريخية، لكنها في الوقت نفسه أمام مسؤولية كبيرة.
المطلوب ليس فقط أن تكون الجالية موجودة في أوروبا، وإنما أن تكون حاضرة وفاعلة ومؤثرة.
المطلوب أن يتعلم الشاب الفلسطيني لغة بلده الأوروبي، ويدرس قوانينه، ويشارك في انتخاباته، وينضم إلى مؤسساته، ويصل إلى أحزابه وبرلماناته، ويحافظ في الوقت نفسه على هويته الفلسطينية.
والمطلوب كذلك أن تتحول العلاقات مع القوى الأوروبية المتضامنة مع فلسطين من علاقات موسمية إلى شراكات استراتيجية طويلة الأمد.
أما الإعلام، فيبقى المعركة التي لا يجوز تركها للآخر.
فمن لا يروي قصته، سيترك الآخرين يروونها نيابة عنه.
ومن لا يدخل البرلمان، سيترك غيره يتحدث باسمه.
ومن لا ينخرط في المجتمع الذي يعيش فيه، سيبقى متفرجًا على صناعة القرارات التي تؤثر في قضيته.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة تجربة اتحاد الجاليات الفلسطينية في أوروبا، ليس باعتبارها تجربة تنظيمية فحسب، وإنما باعتبارها محاولة للإجابة عن سؤال المستقبل:
كيف يمكن للفلسطيني في أوروبا أن يكون جزءًا من المجتمع الأوروبي، دون أن يتخلى عن فلسطين، وأن يكون مواطنًا فاعلًا في الدولة التي يعيش فيها، وفي الوقت نفسه صوتًا من أصوات شعبه وحقوقه؟
وفي هذا السياق، يستحق الأستاذ حمادة فراعنة الإشادة على حواره الهادئ والعميق؛ فقد قدم نموذجًا للمحاور الذي لا يزاحم ضيفه على الحديث، ولا يستعرض معرفته أمامه، بل يجعل من السؤال وسيلة لفتح الملفات، ومن الاستماع وسيلة لاكتشاف ما وراء الإجابة.
وهذه هي قيمة الحوار السياسي الحقيقي:
أن لا يكون الهدف أن ينتصر المحاور على الضيف، وإنما أن ينتصر المستمع على جهله بالموضوع.







