
زيناتي قدسية كما رأيته قبل أن أعرف كيف أنظر
دعاء مأمون
عرفت زيناتي قدسية قبل أن أعرف كيف أنظر إلى الممثل.
كنت صغيرة حين شاهدته للمرة الأولى في “طرائف أبي دلامة”. لم أكن أعرف يومها شيئا عن بناء الشخصية أو الإيقاع أو الارتجال. لم تكن لدي هذه اللغة أصلا. كنت أعرف فقط أن هذا الممثل مختلف، وأنني كلما سمعت أن له عملا أبحث عنه، حتى لو كان ظهوره فيه قصيرا.
كنت أعيش في السعودية، ولم يكن الوصول إلى أعماله سهلا دائما. لذلك لم يكن زيناتي من الممثلين الذين أراهم بالمصادفة كثيرا. كنت أبحث عنه. وربما لهذا بقي اسمه عالقا في ذاكرتي منذ وقت مبكر. لم أكن أعرف لماذا أنتظره في أي عمل، لكنني كنت أعرف أن وجوده يغير المشهد بالنسبة إلي.
مرت السنوات، ودخل المسرح حياتي بطريقة أخرى. صرت أعرف أن الممثل قد يكون مؤثرا من دون أن يكون عميقا، وقد يملك صوتا وحضورا وقدرة واضحة، ومع ذلك لا يترك فيك شيئا بعد أن ينتهي المشهد. وصرت أراقب أشياء لم أكن أراها وأنا صغيرة: ماذا يفعل الممثل حين لا يكون الكلام عنده، كيف يسمع من أمامه، وكيف ينتقل من حالة إلى أخرى من غير أن يكشف لك الطريق كله.
وعندما عدت إلى زيناتي بهذه العين لم أجد أن الانبهار القديم قد اختفى. الذي حدث أنني بدأت أفهمه.
في أدائه شيء لا أشعر معه بأن الأدوات تأتي أولا. لا أراه واقفا أمامي كي يريني قدرته على التمثيل. أرى الشخصية، ثم أنتبه بعد ذلك إلى ما فعله كي أوصلني إليها. وهذا بالنسبة إلي فارق كبير.
ربما لهذا أشعر أنه لا يحتاج إلى كثير من العلامات الخارجية كي أصدقه. لو أدى قيصر فلن يكون التاج هو الذي يجعلني أراه قيصر. ولو أدى بدويا فلن أحتاج إلى العباءة كي أصدق أنني أمام بدوي. الشخصية عنده تبدأ قبل هذه الأشياء.
تبدأ من الوقفة، من النظرة، من الصوت، ومن علاقته بمن يقف أمامه.
وعندما عرفت لاحقا أن تكوينه المسرحي لم يأت من المسار الأكاديمي التقليدي، فهمت شيئا آخر كنت أراه في أدائه من غير أن أربطه بسيرته. معرفته بالمسرح تبدو لي معرفة عاشها أكثر مما تبدو معرفة يعرضها. لم يصنع نفسه في عزلة، ولم يتعلم بعيدا عن المسرح. تعلم داخله، من الممارسة والاحتكاك والعمل الطويل، حتى صارت بعض أدواته تبدو كأنها جزء من طبيعته لا شيئا يستدعيه حين يبدأ العرض.
هذه المنطقة تحديدا تلفت انتباهي فيه.
هناك ممثل تستطيع أن ترى جهده طوال الوقت. ترى كيف صنع الانفعال وكيف جهز اللحظة وكيف قاد المشهد إلى المكان الذي يريده. وقد يكون ذلك متقنا جدا، لكنك تبقى ترى الممثل وهو يعمل. مع زيناتي كثيرا ما تختفي هذه المسافة.
وصوته جزء من ذلك. لو سمعته من الإذاعة أعرفه، لكن معرفة صوته ليست ما يعنيني. ما يعنيني أنني أستطيع أن أسمعه فتبدأ الشخصية في التكون في خيالي. كأن للصوت هيئة حتى قبل أن يظهر الجسد.
وأحب صمته أيضا.
الصمت عند الممثل ليس دائما حضورا. أحيانا يسكت الممثل فيغيب إلى أن تأتي جملته التالية. زيناتي لا أشعر معه بذلك. حين يصمت يبقى شيء يعمل في المشهد. لهذا تكون للكلمة حين تأتي قيمة مختلفة، لأنها لا تبدأ من لحظة النطق بها.
أما الارتجال، فهو من أكثر ما كنت أستمتع به عنده قبل أن أتعلم كيف أقرأه. لا أستطيع أن أحدد في كل مرة أين انتهى المكتوب وأين بدأت مساحة الممثل، ولا أريد أن أدعي ذلك. لكن هناك لحظات تعرف فيها أن الممثل وجد داخل المشهد مكانا خاصا به.
وعند زيناتي لا أشعر أن هذه المساحة تستخدم كي يقول “انظروا إلي”. لا يهمني الارتجال لأنه ذكي أو مضحك في ذاته، بل لأنه في أفضل لحظاته لا يخرجني من الشخصية.
وهذا أيضا ما يجعل انتقاله بين الحالات مقنعا بالنسبة إلي. جعلني أضحك وأبكي وأغضب وأنبسط، لكنني لم أفكر يوما أن هذه هي ميزته وحدها. تحريك مشاعر المتلقي ليس أمرا نادرا في التمثيل. الأصعب عندي ألا أرى الممثل وهو يدفعني إلى الشعور.
أنا لا أحب أن أشعر بأن الحزن قد جرى تحضيره لي، أو أن الضحكة تنتظرني عند نهاية الجملة.
مع زيناتي كثيرا ما تصلني اللحظة قبل أن أبدأ بتفكيكها.
ومع كل السنوات التي تابعته فيها بقي شيء واحد أريده: أن أراه على المسرح.
رأيته أخيرا في “السيد خشبة”.
كان ذلك أول لقاء لي معه على الخشبة، بعد سنوات طويلة عرفته فيها من الشاشة والصوت. ولم أشعر بأن المسرح قدم لي زيناتي آخر. بالعكس، شعرت أن شيئا كنت أعرفه منذ زمن صار أمامي أوضح.
على الخشبة لا تستطيع الكاميرا أن تختار لك ما ترى. عينك حرة، والممثل موجود بكامل جسده ومساحته، سواء كان يتكلم أو لا. وهذا جعلني أنتبه أكثر إلى ذلك الحضور الذي كنت أشعر به طوال السنوات السابقة ولا أملك دائما تفسيرا له.
لم أخرج من “السيد خشبة” وأنا أقول إن الصورة القديمة كانت أكبر من حقيقتها، وهذا ما يحدث أحيانا حين نعود إلى فنان أحببناه في عمر صغير. بعض الأشياء تكبر في الذاكرة أكثر مما كانت عليه فعلا.
مع زيناتي لم أشعر بذلك.
كنت صغيرة حين رأيته للمرة الأولى ولم أعرف لماذا بقي في ذاكرتي. ثم كبرت، وعرفت المسرح أكثر، وصرت أصعب في المشاهدة وأقل استعدادا للانبهار السريع. ومع ذلك بقي عندي شيء من ذلك الشعور الأول، لكنه لم يعد غامضا كما كان.
لهذا لا أجد أنني بحاجة إلى أن أضع أمام اسمه ألقابا كبيرة. كلمة “قامة” أو “رائد” قد تكون صحيحة، لكنها لا تفسر لي شيئا مما أراه فيه.
ما يهمني هو هذا الممثل الذي لا تحتاج الشخصية عنده إلى أن تأتي كاملة من الخارج.
الذي تعلم المسرح من داخله، وعاش فيه طويلا بما يكفي حتى صارت معرفته به تظهر من غير أن يعلنها.
والذي ما زلت، كلما طال غيابه، أجدني أبحث عنه كما كنت أفعل وأنا صغيرة.
وأتساءل ببساطة:
أين زيناتي قدسية؟
ولماذا لا نراه أكثر؟












