واحة الثقافة

مسرحية ” على قارعة النسيان ” في مهرجان الزرقاء المسرحي.. نقد وتحليل

الشاهين الإخباري – نقد و تحليل دعاء مامون

قدمت الناقدة المسرحية الإستاذة دعاء مأمون نقد مسرحي تحليلي للعرض المسرحي العُماني “على قارعة النسيان” من إخراج سامي البوسعيدي، والمشارك ضمن فعاليات الدورة الرابعة والعشرين من مهرجان صيف الزرقاء المسرحي العربي بالأردن.

حيث تتناول المسرحية علاقة المسرح بأجياله المتعاقبة، عبر صراع محتدم بين جيل قديم وآخر جديد، واضعاً المُشاهد منذ اللحظات الأولى أمام سؤال جوهري يتعلق باستمرارية التجربة المسرحية وكيفية انتقالها من جيل إلى آخر.

النقد و التحليلال المسرحي للأستاذة دعاء مأمون جاء على النحو التالي :

خرجت من العرض أمام تجربة تمتلك خيالًا مسرحيًا واضحًا، وفيها لحظات تعرف كيف تستفيد من الجسد والفضاء والضوء والأشياء. أكثر ما شغلني أن القدرة على ابتكار اللحظة المسرحية كانت أحيانًا أقوى من القدرة على جمع هذه اللحظات داخل مسار واحد متماسك.

العرض المسرحي لا يُقاس بعدد الصور الجيدة التي ينجح في صنعها، بل بما يحدث لهذه الصور حين تتجاور، وكيف تنمو من بعضها، وما الذي يبقى منها ضروريًا عندما نصل إلى النهاية.

من البداية استوقفتني القمصان الرجالية المُعلَّقة والنازلة من الأعلى.

بدت لي كآثار أجساد غائبة أكثر منها ملابس فقط. أجساد ليست موجودة، وأثرها يملأ الفضاء قبل أن تبدأ الحكاية. وكونها كلها قمصانًا رجالية فتح عندي سؤالًا عن ذاكرة هذا المكان: من يسكن هذه الذاكرة؟ ومن غاب عنها؟

ثم تدخل سلمى إلى هذا الفضاء. امرأة تدخل مكانًا تحضر فيه آثار الرجال قبل حضور الأجساد نفسها. الصورة تركت لي مساحة للتأويل، وهذه من اللحظات التي اشتغل فيها العرض جيدًا؛ لأن العلامة بقيت أوسع من تفسير واحد.

بعد المشهد التعبيري بين الممثل والممثلة، تبدأ سلمى في اكتشاف المكان.

الرجل مختبئ تحت الطاولة، وسلمى تدخل حاملة ضوءًا صغيرًا وحقيبتها، وتبدأ في تفحص هذا الفضاء المهجور.

الشخصية هنا تُعرَّف بالفعل قبل أن تُعرَّف بالكلام. سلمى تدخل وهي تبحث. الضوء في يدها جزء من طريقتها في التعامل مع المكان. والرجل يبدأ من الاختباء، ثم ينتقل إلى المواجهة ومحاولة فرض سيطرته.

مشهد تفتيش الحقيبة واكتشاف أنها فارغة، ثم قوله لها إن حقائبهم فارغة مثل عقولهم، يحدد مبكرًا طبيعة العلاقة التي يريد فرضها عليها. يشك بها، ويضعها في موقع أدنى، ويمنح نفسه حق تعريفها قبل أن تتاح لها فرصة تعريف نفسها.

ويبدأ من هذه المنطقة صراع يتجاوز المواجهة المباشرة بين رجل وامرأة؛ صراع على من يملك حق تسمية الآخر وتفسيره.

في السينوغرافيا كان هناك اشتغال واضح يستحق التوقف.

اللون الأزرق المسيطر على الخشبة أعطى المكان برودته ووحشته. الفضاء يبدو قديمًا، مهجورًا، فارغًا، وكأن الحياة انسحبت منه وبقي أثرها.

وحين يدخل الرجل في حالة الهستيريا، تتحول الإضاءة إلى الأحمر، ثم يعود الأزرق بعد انتهاء الانفجار.

هذا التحول ينظم الحالة بصريًا بوضوح، ووصل عندي أحيانًا إلى درجة من المباشرة تجعل اللون يعلن الحالة بدل أن يضيف إليها.

الأحمر مع الهستيريا يقول فورًا إننا دخلنا منطقة الخطر والانفجار، والأزرق يعيدنا إلى البرودة والسكون. الوظيفة تصل بسرعة، وتصبح الإضاءة في بعض اللحظات تأكيدًا لما يعلنه الجسد أصلًا.

الضوء يصبح أكثر إثارة حين لا يكرر الانفعال، بل يضيف إليه طبقة، أو يناقضه، أو يكشف شيئًا لا يقوله الجسد مباشرة.

استخدام الحبال مع الضوء كان أكثر ثراءً بالنسبة إلي.

حين يلمس الممثل الحبل فيأتي الضوء عليه في اللحظة التي يعود فيها إلى الحديث عن نفسه أو عن دوره، تصبح العلاقة بين الجسد والإضاءة علاقة فعل.

الممثل لا ينتظر بقعة الضوء فقط؛ حركته تستدعيها.

الجسد هنا يشارك في استدعاء ظهوره، وكأن الشخصية تختار للحظة متى تدخل إلى الضوء ومتى تكشف نفسها.

الفكرة تحمل إمكانًا كبيرًا، وكان يمكن أن تتطور لتصبح خيطًا أعمق في العلاقة بين الممثل ودوره، وبين الظهور والاختفاء. بقيت في العرض لحظة جيدة أكثر من كونها مسارًا يتطور.

أما الكراسي، فكانت من أنجح العناصر عندي.

قيمتها جاءت من دخولها في بنية العلاقة بين الشخصيتين.

الكرسي ينتقل بينهما في الأخذ والرد، يُحمل، يُقلب، ويصبح أداة مبارزة.

وهكذا يتحول الحوار من كلام إلى حركة.

ما تقوله الشخصيتان يظهر أيضًا في طريقة إمساك الشيء، ودفعه، واسترداده، وفي المسافة بين الجسدين.

ولفت انتباهي خصوصًا أن الاثنين، في بعض لحظات المبارزة، يتحركان كأنهما يواجهان عدوًا في الاتجاه نفسه، ثم يعود كل واحد منهما إلى مواجهة الآخر.

هذه لحظة أغنى عندي من أي رمز مباشر.

وجود عدو مشترك يستطيع أن يجمعهما للحظة، من دون أن يمحو التناقض بينهما. الاتفاق مؤقت، والصراع الذي يفصل بينهما أعمق من أن تحسمه لحظة اصطفاف واحدة.

وقلب الكراسي يسمح أيضًا بقراءة تتصل بقلب المواقف والالتفاف حول الحقيقة. قوة المشهد أن هذه القراءة تخرج من الحركة نفسها.

ومن أكثر الأشياء إثارة في العرض استخدام الـ”فيب”.

نراه أولًا شيئًا يوميًا في يد الرجل. يدخن منه، يصنع به الدخان، يتركه، ويعود إليه.

ثم يُستخدم الشيء نفسه بوصفه المسدس.

أحببت هنا وعي العرض بلعبته المسرحية. نعرف أن ما أمامنا ليس مسدسًا، ومع ذلك نقبل وظيفته؛ لأن التهديد تصنعه العلاقة بين الممثلين، لا واقعية الأداة.

المسرح يصنع أثره من الاتفاق المسرحي نفسه.

والرجل يترك هذه الأداة أكثر من مرة قبل أن تأخذها سلمى.

حين تصبح في يدها، لا ينتقل ميزان القوة في اللحظة نفسها.

الأداة تغيّر يدها بسرعة، أما السلطة فتحتاج وقتًا حتى تتغير.

الرجل يظل يحاول الاحتفاظ بموقعه، ويستمر الحوار قبل أن يبدأ فقدان السيطرة الحقيقي.

وهذه نقطة دقيقة في المشهد؛ لأنها تكشف أن القوة لم تكن موجودة داخل “المسدس” وحده. كانت موجودة في الخوف الذي صنعه الرجل، وفي حضوره، وفي طريقة مخاطبته لسلمى، وفي قدرة كل شخصية على فرض نفسها على الأخرى.

حين تنتقل الأداة إليها، يبدأ هذا البناء في التفكك.

وسلمى تدخل إلى اختبار جديد. أصبحت تملك إمكانية ممارسة القوة التي كانت تواجهها عند الآخر.

هذا التحول كان يستحق مساحة أكبر.

السؤال الذي يفتحه المشهد أعمق من الوصول إلى نتيجة القتل وحدها: ماذا يحدث للإنسان حين يصبح قادرًا على ممارسة القوة التي كان يرفضها؟

هذه اللحظة كانت تحتمل زمنًا نفسيًا أطول، ومساحة أكبر بين امتلاك القوة واستخدامها.

هناك أيضًا مشهد الجري فوق الطاولة، وما يصاحبه من موسيقى وحركة جسدية للرجل.

مرة أخرى يظهر خيال المخرج في صناعة الوحدة المشهدية. الطاولة تخرج من وظيفتها اليومية، والجسد يستخدمها بوصفها مساحة أخرى للحركة والتوتر.

ومع تراكم هذه المشاهد بدأت تتضح عندي مشكلة أساسية في الإخراج.

هناك رقصة البداية، والقمصان، والحبل والضوء، والكراسي، والجري فوق الطاولة، والـ”فيب”، والأقنعة.

كل فكرة تطلب انتباه المتلقي، وتحمل دلالة أو وظيفة.

قوة الفكرة الواحدة لا تضمن قوة العرض كله.

كنت أحتاج أن أشعر بأن كل حل مسرحي خرج من حاجة ما سبقه، وأن المشهد التالي ولد منه، وأن حذف أي عنصر سيترك فراغًا حقيقيًا في البناء.

في بعض المناطق يصل المخرج إلى فكرة مشهدية جيدة، يستهلك فيها طاقة واضحة، ثم ينتقل إلى فكرة أخرى قبل أن يسمح للأولى بأن تتطور داخل النسيج نفسه.

ولهذا بدت أجزاء من العرض أقرب إلى سلسلة من وحدات إخراجية ناجحة منفردة من كونها تصاعدًا واحدًا يصعب تفكيكه.

وتدخل هنا مسألة كثافة العلامات.

كثافة الرمز تستطيع أن تثري المسرح حين تفتح العلامات بعضها وتزيد المعنى تعقيدًا. في “على قارعة النسيان” كانت العلامات أحيانًا تتراكم حول المعنى نفسه.

الإضاءة تؤكد الحالة، والحركة تؤكدها، والموسيقى تدفع في الاتجاه نفسه، ثم يأتي الكلام ليقرب الدلالة أكثر.

عندها تبدأ الأدوات في تكرار بعضها بدل أن تكشف طبقات مختلفة.

الرمز القوي يحتاج إلى مساحة حوله.

يحتاج أن يبقى أمام المتلقي قليلًا، وأن يمنحه فرصة للوصول إليه، أو الاختلاف معه، أو إعادة قراءته.

في بعض لحظات العرض تصل العلامة، ثم تأتي علامة ثانية لتؤكدها، ثم يأتي الكلام ليشرحها. في هذه اللحظة تتقلص المساحة التي يتحرك فيها المتلقي.

وهذه مسألة تتصل مباشرة بعلاقة العرض بمن يشاهده.

أقوى مناطق العرض عندي كانت تلك التي جعلت المتلقي شريكًا في إنتاج المعنى.

القمصان تفتح سؤالًا وتتركه.

الكرسي يتحول أمامنا وتبقى مساحة لفهم التحول.

والـ”فيب” يطلب منا قبول لعبة مسرحية ثم يجعلنا نتابع أثرها في علاقة القوة.

حين تتراكم الإشارات في الاتجاه نفسه، يصبح الاكتشاف أقل.

الأقنعة مثال واضح على ذلك.

القناع عنصر ثقيل مسرحيًا؛ ظهوره يرفع سقف التوقع.

حين تضع الشخصية قناعًا، أتوقع تحولًا في الهوية، أو الصوت، أو الجسد، أو علاقتها بالآخر، أو في الطريقة التي أراها بها.

في هذا العرض لم ينتج القناع تحولًا يوازي ثقل حضوره.

يتغير الشكل، ويتغير شيء في طريقة الأداء، ويبقى العنصر أقل أثرًا من الوعد الذي يحمله ظهوره.

إمكانية حذف القناع من دون خسارة تحول جوهري في الشخصية أو البناء تجعل ضرورته موضع سؤال.

فكرته أكبر من أثره.

وتمتد المشكلة نفسها إلى بعض مناطق الحوار.

هناك لحظات يكون فيها الكلام حيًا لأنه جزء من الصراع بين الشخصيتين، وحينها يستطيع العرض أن يدخل في الفن والمسرح والكاتب والممثل ويظل الفعل قائمًا.

وفي مواضع أخرى يصل المعنى كاملًا في الكلام قبل أن تسمح الخشبة للمتلقي بالوصول إليه.

المفارقة هنا أن الإخراج في أفضل لحظاته يثق بكرسي، أو حبل، أو ضوء، أو أداة صغيرة، ثم يأتي الكلام أحيانًا ليشرح أكثر مما تحتاجه هذه العلامات.

العرض يفتح السؤال مسرحيًا، ثم يضيّق مساحته لفظيًا.

أنا كمتلقية أريد أن أصل إلى بعض الأشياء بنفسي.

أريد أن أرى صورة وأتردد قليلًا في معناها، وأن أغيّر قراءتي، وربما أعود إلى مشهد سابق فأجده مختلفًا بعد ما عرفته لاحقًا.

حين تصل الدلالة مكتملة بسرعة، تصبح علاقتي بالعرض أقصر.

بعض أجمل أفكار “على قارعة النسيان” كانت أذكى من الطريقة التي شُرحت بها.

وهذه المسألة تظهر أيضًا في الأداء.

العرض قائم تقريبًا على ممثل وممثلة، ولذلك تصبح العلاقة بينهما جزءًا أساسيًا من بنيته. كل تحول في الصراع يحتاج أن يظهر في الجسدين معًا، لا في أداء كل شخصية وحدها.

في أداء الرجل، كان الجسد أكثر إثارة عندي حين ينشغل بفعل محدد.

اختباؤه تحت الطاولة، الجري فوقها، تعامله مع الـ”فيب”، والمبارزة بالكراسي؛ هذه الأفعال تعطي اضطرابه شكلًا محسوسًا، وتجعلنا نقرأ حالته من سلوكه قبل أن يعلنها.

وحين تدخل الهستيريا في منطقة الإعلان المباشر، وتلتقي معها الإضاءة الحمراء والموسيقى والحركة في اللحظة نفسها، تصبح الحالة أقل تعقيدًا.

كل العناصر تقول لنا الشيء نفسه: الرجل في انفجار نفسي.

وحين تتفق الأدوات كلها على الجملة نفسها، يفقد المشهد جزءًا من التوتر الذي كان يمكن أن ينتج لو تُرك الجسد وحده يحمل اللحظة، أو لو دخل عنصر آخر في علاقة أكثر تعقيدًا معه.

أقوى لحظات الرجل كانت حين يتجسد اضطرابه في فعل، لا حين يصبح الاضطراب نفسه هو كل ما نراه.

أما سلمى، فتبدأ من مكان أدائي واضح: الدخول، البحث، الإضاءة، واكتشاف المكان.

وجود الضوء الصغير في يدها يعطي الجسد مهمة منذ اللحظة الأولى. هي تدخل وهي تفعل.

ومع تطور المواجهة، تصبح قوتها مرتبطة بقدرتها على البقاء داخل الصراع.

انتقالها من موقع الباحثة والمُهدَّدة إلى موقع من يملك أداة التهديد حدث أسرع مما يحتمله هذا التحول نفسيًا عندي.

امتلاك السلاح يغير علاقتها بالرجل، ويضعها أمام سؤال أخلاقي جديد. وكان يمكن للأداء والإخراج معًا أن يمنحا هذه المنطقة مساحة أكبر حتى نشعر أن القوة الجديدة دخلت إلى الشخصية فعلًا قبل أن تتحول إلى فعل نهائي.

وعلاقة الممثلين نفسيهما تحتاج إلى التوقف عندها.

الكيمياء بينهما لم تكن بالمستوى الذي يحتاجه عرض يقوم بكل ثقله تقريبًا على شخصيتين.

كل واحد منهما يمتلك لحظات أداء جيدة، وهناك مشاهد يعمل فيها الجسدان معًا بوضوح، خصوصًا في استخدام الكراسي والمواجهة الحركية. العلاقة نفسها لم تبقَ مشحونة بالقوة ذاتها طوال العرض.

كنت أحتاج أن أشعر بأن وجود أحدهما يغير الآخر لحظة بلحظة.

أن يتغير إيقاع الرجل لأن سلمى اقتربت.

وأن تتغير طاقة سلمى لأن الرجل صمت أو هدد أو تراجع.

وأن تصبح المسافة بينهما نفسها حدثًا.

في بعض المناطق كان كل ممثل يؤدي حالته بإقناع نسبي، فيما بقيت المساحة بينهما أقل اشتعالًا مما يفترضه الصراع.

وهذه نقطة أساسية في عرض ثنائي؛ لأن الكيمياء هنا جزء من الدراما نفسها.

حين تقوم المسرحية على شخصيتين تتصارعان وتقتربان وتبتعدان وتتبادلان مواقع القوة، يفترض أن يولّد فعل أحدهما شيئًا مباشرًا في الآخر.

هذا التفاعل لم يحافظ دائمًا على الحدة التي يحتاجها العرض.

ولهذا كانت بعض المشاهد الحركية أنجح من بعض الحوارات؛ لأن الكرسي أو الأداة أو الحركة أدخلت الجسدين في علاقة مباشرة، بينما بقيت بعض المقاطع الكلامية أقرب إلى تبادل المواقف منها إلى احتكاك شخصيتين يتغير كل منهما بسبب الآخر.

هذه المسافة بين أداء جيد منفردًا وعلاقة أدائية أقل اكتمالًا أثرت في قوة الصراع وإيقاعه.

وتظهر المشكلة البنيوية بأوضح صورها في النهاية.

بعد قتل الرجل يأتي التسجيل:

“ستبقى أرواحهم على قارعة النسيان”.

في هذه اللحظة كان البناء قد وصل عندي إلى نقطة توقف قوية.

الموت حدث، والعنوان عاد، وما صنعه العرض حتى هذه اللحظة بقي مفتوحًا على الحرب والذاكرة والعنف والخوف والفن وعلاقة الإنسان بما حدث له.

ثم يأتي مشهد المصحة العقلية.

هذه الإضافة أضعفت النهاية بوضوح.

المشهد يعيد تعريف ما شاهدناه من الخارج بعدما كان العالم المسرحي قد اكتمل داخليًا.

فجأة نحصل على إطار جديد يعيد ترتيب ما سبق، فتضيق الاحتمالات التي ظل العرض يفتحها طوال الوقت.

الرجل كان يستطيع أن يبقى جريح حرب، وضحية وجَلّادًا، وفنانًا يهرب من نفسه، وشخصًا أعاد الخوف تشكيل علاقته بالآخرين. هذه الاحتمالات كانت تعيش معًا.

إدخال المصحة في اللحظة الأخيرة يدفعها نحو تفسير نفسي أكثر تحديدًا، ويجعل النهاية أضيق من العرض نفسه.

والأشد إشكالًا أن الإضافة تأتي بعدما كان العرض قد وجد نهايته بالفعل.

عبارة “ستبقى أرواحهم على قارعة النسيان” تملك من الارتباط بالعنوان والموت وما حدث أمامنا ما يكفي لتكون نقطة التوقف.

استمرار العرض بعدها يعيد المشكلة التي ظهرت في مواضع أخرى: العلامة تؤدي وظيفتها، ثم تأتي إضافة أخرى لتؤكد أو تفسر ما وصل بالفعل.

وهذا هو جوهر موقفي من التجربة.

المخرج يمتلك خيالًا مسرحيًا حقيقيًا، ويعرف كيف يصل إلى صورة أو حركة أو استخدام غير متوقع لشيء بسيط. ما يحتاجه العرض هو صرامة أكبر في الاختيار وفي الربط بين هذه اللحظات.

حين اشتغلت الكراسي داخل الحوار، كان هناك فعل مسرحي حي.

وحين استدعى الحبل الضوء، ظهرت علاقة جميلة بين الجسد والفضاء.

وحين تحولت أداة يومية إلى سلاح، صنع العرض لعبة مسرحية ذكية.

الأقنعة بقي أثرها أقل من حضورها، وكثافة العلامات جعلت بعض الأدوات تكرر بعضها، والكيمياء بين الممثلين لم تحمل الصراع طوال الوقت بالقوة التي يحتاجها عرض ثنائي، ثم جاءت المصحة بعد لحظة كانت قادرة على إنهاء العرض وأعادت تفسير تجربة كانت أكثر ثراء قبل تفسيرها.

“على قارعة النسيان” يمتلك مادة مسرحية حقيقية وخيالًا واضحًا في التعامل مع الفضاء والجسد والأشياء، ويحتاج إلى إعداد أكثر صرامة وربط أشد بين وحداته وثقة أكبر بما تستطيع الصورة والجسد أن يقولاه وحدهما.

بعض مشاهده وجدت لغتها المسرحية فعلًا.

وبعضها يحتاج إلى مراجعة لأن الفكرة فيه بقيت أكبر من أثرها على الخشبة.

أما النهاية، فكنت أفضل أن تتوقف عند:

“ستبقى أرواحهم على قارعة النسيان”.

هناك كان العرض قد ترك لي سؤالًا.

وكنت أفضل أن أغادر ومعي هذا السؤال.

زر الذهاب إلى الأعلى