صيد الشاهين

من طاولة الحكومة إلى مرحلة التنفيذ .. ماذا حملت رسائل ولي العهد؟

داود شاهين

عندما يترأس نائب جلالة الملك، سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، جانباً من جلسة مجلس الوزراء، فإن أهمية المشهد لا تتوقف عند طبيعة الحضور، بل في الرسائل التي حملها والملفات التي وُضعت أمام الحكومة. والأهم من ذلك كله: ماذا ستفعل الحكومة بهذه الرسائل بعد أن تنتهي الجلسة وتُغلق الأبواب؟

فالملفات التي طُرحت ليست جديدة على أجندة الدولة؛ الاقتصاد والاستثمار، السياحة، الأمن الغذائي، سلاسل التوريد، التحول الرقمي، البيانات والذكاء الاصطناعي، كلها عناوين جرى الحديث عنها مراراً. ولذلك فإن التحدي الحقيقي لم يعد في اكتشاف الملفات أو تشخيص المشكلات، وإنما في لماذا تتأخر النتائج، وأين تتعطل عملية التنفيذ؟

في الجانب الاقتصادي، فإن الجهود الملكية في فتح آفاق جديدة للعلاقات والشراكات الدولية توفر للحكومة مساحة مهمة للتحرك. لكن السؤال المشروع هو: ماذا فعل الجهاز التنفيذي بهذه الفرص؟

فالاتفاقيات والمؤتمرات واللقاءات الاقتصادية لا تُقاس قيمتها بعدد الصور والتصريحات، وإنما بما تنتجه على الأرض من استثمارات ومشاريع وفرص عمل. وإذا بقيت الفرص عند مستوى التفاهمات والوعود، فإن المشكلة لا تكون في غياب الفرص بقدر ما تكون في القدرة على تحويلها إلى واقع.

وهنا تحديداً تحتاج الحكومة إلى أن تكون أكثر صراحة مع نفسها: أين تتعطل الإجراءات؟ لماذا يحتاج المستثمر إلى وقت طويل لإنجاز معاملاته؟ وما الذي يمنع بعض المشاريع من الانتقال من مرحلة الإعلان إلى مرحلة التنفيذ؟

والسياحة مثال آخر على الفجوة بين الإمكانات والنتائج. الأردن يمتلك مقومات سياحية معروفة، لكن امتلاك المقومات لا يعني بالضرورة تحقيق أفضل استفادة منها. فالقطاع يحتاج إلى أسواق أكثر تنوعاً، ومنتج أكثر تنافسية، وخدمات أفضل، وتسويق يتناسب مع حجم المنافسة في المنطقة.

والسؤال هنا ليس كم مرة تحدثنا عن السياحة، وإنما ماذا تغير فعلياً في تجربة السائح، وفي حجم الاستثمار السياحي، وفي قدرة القطاع على الصمود أمام التقلبات الإقليمية؟

وفي ملف سلاسل التوريد والأمن الغذائي، لا مجال للمقاربات التقليدية. الأزمات الأخيرة أثبتت أن أي اضطراب في النقل أو التجارة يمكن أن يتحول سريعاً إلى مشكلة في الأسعار والتوفر.

ولهذا فإن الحديث عن المخزون الاستراتيجي وتنويع مصادر الاستيراد يجب أن يرافقه نظام دقيق للمعلومات والإنذار المبكر وإدارة المخاطر. فالمخزون وحده لا يكفي إذا لم تكن الدولة تعرف بدقة ماذا تحتاج، وكم تحتاج، ومتى تحتاجه، ومن أين يمكن تأمينه.

أما التحول الرقمي، فهو من الملفات التي تحتاج إلى مراجعة هادئة ولكن صريحة. فقد قطعت الدولة خطوات في هذا المجال، وظهرت منصات وخدمات رقمية مهمة، لكن المواطن في النهاية لا يقيس التحول الرقمي بعدد التطبيقات، وإنما بمدى اختصار الوقت والجهد.

إذا كان المواطن لا يزال مضطراً إلى المرور بالإجراءات نفسها، أو مراجعة أكثر من جهة، أو تقديم الوثائق ذاتها في أكثر من مكان، فإن السؤال يصبح مشروعاً حول مدى اكتمال التحول الرقمي، لا حول عدد المشاريع التي أُعلن عنها.

والأمر ذاته ينطبق على الذكاء الاصطناعي. فالمطلوب ليس أن يصبح استخدام المصطلح جزءاً من الخطاب الحكومي، وإنما أن يتحول إلى أداة فعلية لتحسين القرار والخدمات وإدارة الموارد. وهذا يتطلب بيانات موثوقة، وأنظمة مترابطة، وكفاءات قادرة على التعامل مع التكنولوجيا، وضوابط واضحة لحماية المعلومات.

وفي ظل الظروف الإقليمية، فإن التأكيد على قوة مؤسسات الدولة ودور القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي والأجهزة الأمنية وتماسك المجتمع يحمل أهمية كبيرة. لكن قوة المؤسسات لا تُقاس فقط بقدرتها على مواجهة الأزمات، وإنما أيضاً بقدرتها على العمل بكفاءة في الظروف العادية، وتقديم الخدمة بسرعة، واتخاذ القرار في الوقت المناسب.

وهنا تتجمع الخيوط كلها في نقطة واحدة: المشكلة ليست دائماً في نقص الأفكار، وإنما في المسافة بين الفكرة والتنفيذ.

لدينا خطط، ولدينا استراتيجيات، ولدينا لجان ومؤسسات وبرامج، لكن المواطن يريد أن يعرف ماذا تغير. المستثمر يريد إجراءات أسرع. القطاع السياحي يريد أدوات أكثر فاعلية. والأسواق تحتاج إلى جاهزية حقيقية. والمؤسسات تحتاج إلى بيانات تساعدها على اتخاذ القرار.

ولهذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى قدر أكبر من المساءلة الإدارية داخل الجهاز الحكومي: من المسؤول عن كل ملف؟ ما الهدف المحدد؟ ما الجدول الزمني؟ وما الذي سيحدث إذا لم تتحقق النتيجة؟

هذه ليست أسئلة نقدية لمجرد النقد، بل هي جوهر الإدارة الحديثة. فالسياسة العامة التي لا تُقاس نتائجها تتحول بسهولة إلى مجموعة من العناوين الجميلة التي تتكرر من حكومة إلى أخرى.

ومن هنا، فإن قيمة الرسائل التي حملها اجتماع مجلس الوزراء ستظهر في قدرتها على تغيير طريقة العمل، لا في حجم الاهتمام الإعلامي بها.

فالأردن لا تنقصه الملفات التي تحتاج إلى حلول، ولا تنقصه الخطط التي تتناولها؛ التحدي الحقيقي هو أن تصبح هذه الخطط قرارات، وأن تصبح القرارات نتائج، وأن يشعر المواطن والمستثمر والقطاعات الاقتصادية بأن شيئاً ما يتحرك بالفعل.

وهنا، بعيداً عن قاعة الاجتماع، يبدأ الاختبار الحقيقي للحكومة.

حمى الله الأردن و الأردنيين

زر الذهاب إلى الأعلى