
مَسَاوِئُ أُوسْلُو.. حِينَ يَكُونُ السُّؤَالُ أَهَمَّ مِنَ الحُكْمِ
الشاهين الإخباري – نضال فايز البيك
ثلاث حلقات متتالية، وثلاثة أبواب فُتحت أمام القارئ للعودة إلى واحدة من أكثر المحطات السياسية إثارةً للجدل في التاريخ الفلسطيني الحديث: اتفاق أوسلو.
لكن ما يلفتني في سلسلة الكاتب والباحث السياسي حمادة فراعنة «مساوئ أوسلو» ليس العنوان وحده، وإنما الطريقة التي اختار بها الاقتراب من هذا الملف الشائك؛ بعيدًا عن الأحكام الجاهزة، وبعيدًا عن اختزال التاريخ في معسكرين: مع أوسلو أو ضد أوسلو.
✦ أوسلو بين الذاكرة والواقع
أهمية هذه السلسلة أنها لا تتعامل مع أوسلو باعتباره حدثًا منفصلًا عن زمانه، بل تضعه في سياقه السياسي والتاريخي، وتعيد قراءة الظروف التي أحاطت به، وموازين القوى التي كانت قائمة آنذاك، والآمال التي عُلّقت عليه، والنتائج التي ترتبت بعده.
وهنا تكمن قيمة الكتابة السياسية عندما تتحول من مجرد إبداء موقف إلى محاولة لفهم كيف ولماذا حدث ما حدث.
فالتاريخ لا يُقرأ بعين الحاضر وحدها، وإنما يحتاج إلى استحضار ظروف اللحظة التي اتُّخذ فيها القرار، والبيئة السياسية التي صنعت ذلك القرار.
✦ لا تقديس ولا شيطنة
ما أعجبني في طرح حمادة فراعنة أنه لا يسعى إلى تقديم أوسلو بصورة واحدة مغلقة.
فهو يضع أمام القارئ الأسئلة المتعلقة بما اعتُبر مكاسب، وما اعتُبر إخفاقات، وما بقي من القضايا الكبرى دون حسم، ويترك مساحة للعقل كي يقرأ ويقارن ويستنتج.
وهذه، في تقديري، إحدى أهم وظائف الكاتب السياسي الحقيقي:
أن يفتح نافذة للتفكير، لا أن يغلق الباب بحكم مسبق.
✦ ثلاث حلقات… وقراءة واحدة متكاملة
في الحلقة الأولى، يعود فراعنة إلى الظروف السياسية التي قادت إلى أوسلو، وموازين القوى التي أحاطت بالمشهد الفلسطيني والعربي والإسرائيلي، وما نتج عن تلك المرحلة من ترتيبات وقضايا بقيت مفتوحة أو مؤجلة.
ثم تأتي الحلقة الثانية لتفتح الجانب الآخر من الصورة، فتطرح سؤالًا لا يقل أهمية:
ماذا حقق أوسلو للفلسطينيين؟
وهنا تظهر قضايا مثل الاعتراف بالشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير، والحقوق السياسية الفلسطينية، وقيام السلطة الوطنية، وعودة القيادة والمقاتلين إلى الأرض الفلسطينية، وهي وقائع لا يمكن تجاوزها عند محاولة قراءة أوسلو قراءة متوازنة.
أما الحلقة الثالثة، فتأتي أكثر تركيبًا، إذ يوضح الكاتب أن اختيار عنوان (مساوئ أوسلو)لم يكن بالضرورة إعلانًا عن حكم نهائي، بل مدخلًا لإثارة السؤال لدى المؤيدين والمعارضين على حد سواء، وإعادة وضع الاتفاق ونتائجه ضمن سياقه التاريخي والسياسي.
✦ أوسلو… ليس أبيض وأسود
وهنا تحديدًا تكمن أهمية السلسلة.
فأوسلو ليس مجرد ورقة وُقعت ثم انتهى الأمر، وليس من السهل اختزاله في رواية واحدة.
إنه محطة سياسية مركبة، تداخلت فيها المكاسب والخسائر، والآمال والإخفاقات، والفرص والقيود، وما تحقق وما بقي معلقًا.
ولهذا فإن قراءته تحتاج إلى قدر من الهدوء والموضوعية، وإلى الابتعاد عن إسقاطات الحاضر على الماضي دون النظر إلى الظروف التي حكمت تلك اللحظة.
✦ تحية للكاتب الذي يفتح الملفات الصعبة
تحية للكاتب حمادة فراعنة على هذه السلسلة التي أعادت ملف أوسلو إلى دائرة النقاش، لا من باب اجترار الماضي، وإنما من أجل فهمه بصورة أعمق.
فالاختلاف مع الكاتب أو الاتفاق معه في بعض الاستنتاجات لا يلغي قيمة ما يطرحه من أسئلة، بل ربما يزيد من أهمية الحوار حولها.
فالكتابة السياسية الجادة ليست في أن تُرضي الجميع، ولا في أن تمنح القارئ إجابة جاهزة، وإنما في أن تدفعه إلى إعادة التفكير، ومراجعة المسلمات، وقراءة الأحداث من أكثر من زاوية.
✦ وفي النهاية… ✦
أوسلو ليس مجرد اسم في كتاب التاريخ، بل محطة ما زالت آثارها حاضرة في المشهد الفلسطيني والعربي والدولي.
ولهذا فإن إعادة قراءته اليوم ليست ترفًا فكريًا، وإنما محاولة لفهم الحاضر من خلال الماضي، وفهم النتائج من خلال الظروف التي أنتجتها.
ومن هنا أقول للكاتب حمادة فراعنة:
شكرًا لأنك لم تقدم لنا إجابة جاهزة، بل قدمت لنا أسئلة تستحق أن تُقرأ، وأن تُناقش، وأن يُختلف حولها باحترام.
ففي القضايا الكبرى، لا تكون قيمة الكاتب في أن يقنع الجميع برأيه، وإنما في أن يجعل الجميع يتوقفون قليلًا أمام التاريخ… ثم يفكرون.







