
حاتم علي… بين من يرى ومن يُرى
الشاهين الإخباري – دعاء مامون
ثمة لحظة شديدة الحساسية في عمل المخرج: أن يغادر مكانه خلف الكاميرا ويدخل بنفسه إلى المشهد الذي يصنعه.
هناك فرق بين أن ترى الصورة كاملة، وأن تكون جسدًا داخلها. المخرج يراقب المسافات والإيقاع، ويعرف أين يبدأ المشهد وأين يجب أن ينتهي، ويرى أداء الممثلين من الخارج. أما الممثل فيعيش اللحظة من داخلها، محكومًا بالشخصية وبالجسد وبالشريك الذي يقف أمامه.
وحين يجتمع الاثنان في شخص واحد، يبدأ سؤال مختلف.
هل يستطيع المخرج أن يرى نفسه بالصرامة نفسها التي يرى بها الآخرين؟ وهل يستطيع الممثل أن ينسى، وهو داخل المشهد، أنه صاحب القرار النهائي فيه؟ ثم ماذا يحدث للممثلين الآخرين حين يكون شريكهم في الأداء هو نفسه من يملك سلطة الاختيار والإعادة والمونتاج؟
هذه التجربة يمكن أن تكون شديدة الثراء، ويمكن أن تكون شديدة الخطورة أيضًا.
وحاتم علي من التجارب التي تجعل هذا السؤال يستحق التوقف عنده.
هو لم يكن مخرجًا قرر لاحقًا أن يجرب التمثيل. كان ممثلًا أولًا. درس التمثيل، وعمل ممثلًا، ثم ذهب إلى الإخراج وهو يحمل معه معرفة الممثل بالجسد والصمت والإيقاع الداخلي للشخصية.
لهذا لا أستطيع أن أرى المخرج فيه منفصلًا تمامًا عن الممثل الذي سبقه.
الممثل يعرف أشياء لا يتعلمها المخرج من مراقبة البروفة وحدها. يعرف معنى أن تكون الجملة صحيحة على الورق ولا تستقيم في الفم. يعرف أن الصمت أحيانًا يحتاج إلى زمن أكثر مما يبدو منطقيًا من الخارج. يعرف أن الممثل قد يفهم الشخصية بعقله قبل أن يصل إليها جسده.
هذه المعرفة يمكن أن تمنح المخرج حساسية مختلفة تجاه ممثليه.
لكنها تحمل فخها أيضًا.
فالممثل الذي يصبح مخرجًا قد يعتقد أن طريقته الشخصية في الوصول إلى الدور هي الطريق الصحيحة للجميع. وقد يبدأ في إخراج الممثلين كما لو أنه يطلب منهم أن يمثلوا بالطريقة التي كان سيمثل بها هو.
وهذا تحديدًا ما لا أشعر به في تجربة حاتم علي.
حين أشاهد ممثلين مختلفين في أعماله، لا أشعر أنهم خرجوا من قالب أداء واحد. هناك عالم إخراجي واضح، لكن الممثل يحتفظ بصوته وطبيعته وأدواته. لا يتحول إلى نسخة من المخرج.
هذه بالنسبة إلي واحدة من أهم علامات المخرج الذي كان ممثلًا وفهم ما تعنيه هذه الخبرة فعلًا.
المخرج الجيد لا يجعل ممثليه يشبهونه. يساعد كل واحد منهم على أن يجد الشخصية بطريقته.
ولعل هذا يفسر جانبًا من قدرة حاتم علي على إدارة أعمال تضم عددًا كبيرًا من الشخصيات من دون أن يتحول العمل إلى انتظار النجم الذي سيبتلع المشهد.
كان يفهم أن وجود الممثل لا يقاس دائمًا بحجم المساحة التي يأخذها، بل بالدقة التي يحتل بها مكانه داخل البناء.
وهذه الفكرة تصبح أكثر إثارة حين يكون حاتم علي نفسه أحد الممثلين في العمل الذي يخرجه.
هنا تتغير المعادلة.
المخرج الذي يمثل يمتلك سلطة لا يملكها بقية الممثلين. يستطيع أن يختار لنفسه الدور، وأن يمنحه ما يشاء من الوقت، وأن يحدد كيف ستراه الكاميرا، وأن يقرر في النهاية أي لقطة تبقى وأي لقطة تختفي.
لهذا أخطر ما يمكن أن يحدث أن يصبح المخرج الممثل صاحب امتياز داخل عمله.
وما يلفت انتباهي في ظهور حاتم علي ممثلًا في أعمال أخرجها أنه لم يكن يتعامل مع الكادر كما لو أنه ملك له.
لم تكن الشخصية التي يؤديها مطالبة بأن تنتصر على بقية الشخصيات حتى ننتبه إلى أن المخرج موجود أمام الكاميرا أيضًا.
في “التغريبة الفلسطينية”، مثلًا، كان موجودًا داخل عالم يعرفه إخراجيًا وتاريخيًا وإنسانيًا بدرجة عميقة، ومع ذلك لم يجعل وجوده التمثيلي مركز العمل. بقي جزءًا من نسيج أكبر.
وهذه مسألة أصعب مما تبدو.
لأن المخرج حين يكون داخل الكادر يعرف تمامًا أين توجد الكاميرا، وما حجم اللقطة، وكيف سيبنى المشهد، وما الذي سيبقى منه في النهاية. هذه المعرفة يمكن أن تجعل الممثل أكثر وعيًا بنفسه من اللازم.
عند حاتم علي أشعر غالبًا أن المخرج داخله كان يضبط هذا الميل.
كان يعرف حجم الشخصية داخل المشهد، فلا يحاول أن يجعلها أكبر من حاجتها.
وربما لهذا اتسم أداؤه في كثير من الأحيان بشيء من الاقتصاد.
لم يكن من الممثلين الذين يحتاجون إلى الإعلان عن قدرتهم التمثيلية في كل لحظة. لا يلاحق المشهد بحركة زائدة أو انفعال زائد كي يثبت حضوره.
وهنا أجد أثر المخرج واضحًا في الممثل.
فالمخرج يعرف أن المشهد لا يحتاج دائمًا إلى ممثل يصل إلى أقصى طاقته. أحيانًا يحتاج إليه أقل بدرجة واحدة حتى يبقى المجال مفتوحًا لمن يقف أمامه وللصورة كلها.
حاتم علي الممثل كان يعرف، في أفضل لحظاته، متى يتراجع.
وهذه قدرة لا تقل أهمية عن معرفة متى يتقدم.
لكن الجمع بين الوظيفتين لا يتحول عندي إلى فضيلة في ذاته.
أن يكون المخرج ممثلًا لا يعني أنه سيكون أفضل في إدارة الممثلين، ولا يعني أن أداءه تحت إدارته سيكون بالضرورة أكثر دقة.
هناك مسافة يفقدها المخرج لحظة يدخل المشهد.
هو يستطيع أن يشاهد التسجيل بعد ذلك، ويعيد اللقطة، ويستعين بعين أخرى، لكن التجربة الأولى عاشها من داخل جسده. في تلك اللحظة لا يستطيع أن يكون الممثل الذي يشعر والمخرج الذي يراقب بالمسافة الكاملة نفسها.
هذه مشكلة حقيقية لا تلغيها الموهبة.
وما يجعل تجربة حاتم علي مهمة بالنسبة إلي أنه لم يلغ هذا التناقض، بل استطاع في كثير من الأحيان أن يديره.
الممثل فيه أفاد المخرج.
والمخرج فيه منح الممثل وعيًا بمكانه داخل الصورة.
ربما لهذا كان اهتمامه بالإنسان واضحًا حتى حين اتسعت أعماله إلى التاريخ والسياسة والحرب.
فحين تكبر الصورة عند بعض المخرجين يصغر الإنسان داخلها. الجيوش والقصور والأزياء والحدث التاريخي تستولي على المشهد، وتتحول الشخصية إلى وسيلة لشرح الزمن.
عند حاتم علي كان الإنسان يقاوم هذا الاختفاء.
كان يعرف أن المشهد مهما اتسع لن يصبح دراما ما لم يمر عبر شخص.
وهنا أرى أثر الممثل القديم مرة أخرى.
الممثل يبدأ من الجسد.
من الخوف.
من طريقة النظر.
من خسارة شخص واحد، حتى لو كان خلف هذه الخسارة تاريخ كامل.
ولهذا بقيت أعماله التاريخية قريبة من الإنسان ولم تتحول إلى متحف بصري.
في “التغريبة الفلسطينية” مثلًا، لا نتلقى المأساة باعتبارها معلومات عن النكبة بقدر ما نراها وهي تدخل البيوت والعائلات والوجوه وتعيد تشكيل حياة الناس.
وفي أعماله التاريخية الأخرى، ظل الحدث الكبير محتاجًا إلى شخصيات تعيش ثمنه، لا إلى شخصيات تشرح لنا أهميته.
وهذه المنطقة هي التي تجعلني أرى العلاقة بين التمثيل والإخراج عند حاتم علي أعمق من مجرد جمع مهنتين في سيرة واحدة.
هو عرف التجربة من الجهتين.
الممثل عادة ينشغل بما يحتاجه المشهد منه.
والمخرج ينشغل بما يحتاجه المشهد من الجميع.
حاتم علي عرف السؤالين.
لكن الأهم أنه لم يترك أحدهما يبتلع الآخر.
حين كان يخرج، لم يتعامل مع الممثل بوصفه قطعة تتحرك داخل تكوين بصري. وحين كان يمثل، لم يتعامل مع نفسه بوصفه صاحب العمل الذي يستحق مساحة إضافية.
وهنا يصبح الحديث عن “المخرج الممثل” أكثر أهمية من تعداد الأدوار التي جمع فيها بين الوظيفتين.
لأن القضية ليست كم مرة فعل ذلك.
القضية ماذا يحدث حين يفعله.
هل يختل مركز العمل؟
هل يصبح المخرج أكثر تساهلًا مع نفسه؟
هل يشعر بقية الممثلين أنهم يقفون أمام شريك أم أمام سلطة الإخراج نفسها؟
هل يستطيع أن يطلب من نفسه الإعادة التي يطلبها من الآخرين؟
وهل يستطيع أن يقتطع من أدائه في المونتاج إذا اكتشف أن المشهد يصبح أفضل من دونه؟
هذه الأسئلة يجب أن تبقى موجودة حتى مع تجربة ناجحة مثل تجربة حاتم علي.
فالنقد الذي يبدأ من النتيجة ويبحث بعدها عن أسباب لمدحها لا يفيد الفنان ولا يفيدنا.
قيمة تجربة حاتم علي عندي أنها تحتمل هذه الأسئلة.
ولا تحتاج إلى تحويله إلى حالة مثالية حتى ندرك خصوصيتها.
هو لم يكن معصومًا من مشكلة المسافة بين الممثل والمخرج، لكنه كان يمتلك ما لا يمتلكه كثيرون ممن يجمعون بين الدورين: وعيًا بأن وجوده أمام الكاميرا يجب أن يبقى خاضعًا للعمل الذي يصنعه خلفها.
وهذا ربما أحد الأسباب التي تجعلني لا أتعامل مع مسيرته بوصفها انتقالًا من التمثيل إلى الإخراج.
كلمة انتقال توحي بأن مرحلة انتهت وبدأت أخرى.
الممثل لم ينتهِ حين جلس حاتم علي خلف الكاميرا.
بقي هناك.
في طريقته في النظر إلى الممثل.
في احترامه لاختلاف أدوات الممثلين.
في معرفته بقيمة الصمت.
وفي تلك العناية بالإنسان الذي يكاد يضيع داخل الحدث الكبير.
وحين عاد هو نفسه إلى الكادر، عاد المخرج معه أيضًا.
ربما لهذا يصعب علي أن أقول إن حاتم علي كان ممثلًا جيدًا أصبح مخرجًا كبيرًا، أو مخرجًا كبيرًا ظل يحب التمثيل.
هذا الفصل يبدو أقل من تجربته.
الأقرب إليّ أن الاثنين بقيا موجودين طوال الوقت.
عين تعرف ماذا يعني أن ترى المشهد من الخارج.
وجسد يعرف ماذا يعني أن تعيشه من الداخل.
وبين من يرى ومن يُرى، تشكل جزء أساسي من حاتم علي الذي بقي في ذاكرتنا.








