أقلام حرة

المومني يكتب: في حضرة الأمم المتحدة.. صوت هاشمي لا يساوم على العروبة ولا على الحق

الناشط الشبابي والسياسي بشار المومني

في المحافل الدولية الكبرى لا تُقاس قيمة الخطاب السياسي بارتفاع نبرته وإنما بقدرته على أن يحمل قضية وطن وأن يعبر في الوقت ذاته عن ضمير أمة وأن يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته دون أن يفقد توازنه أو بوصلته.

ومن على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني اليوم امتداداً لصوتٍ هاشمي عريق حمل عبر عقود قضايا الأمة العربية ودافع عن القدس وفلسطين وتمسك بالسلام العادل ورفض أن تتحول القوة إلى بديلاً عن الحق أو أن يصبح القانون الدولي انتقائياً بحسب ميزان المصالح.

لم يكن خطاب جلالته مجرد توصيف جديد لأزمات المنطقة ولا تكراراً لمواقف يعرفها العالم عن الأردن بل كان قراءة سياسية عميقة للحظة الدولية الراهنة وللمخاطر التي تتولد حين يعتاد المجتمع الدولي على الأزمات ويتحول ما هو استثنائي ومؤقت إلى واقع دائم.

ولعل المفردة التي شكلت مدخلاً مهماً في الخطاب هي «الانتباه» ذلك المورد الذي لم يعد جلالته ينظر إليه باعتباره مسألة إعلامية أو إنسانية فحسب بل باعتباره مورداً جيوسياسياً إذ إن ما يحظى باهتمام المجتمع الدولي يحظى بفرص أكبر للتحرك والمعالجة فيما يمكن للأزمات التي تُترك خارج دائرة الاهتمام أن تستمر وتتفاقم.

ومن هنا نفهم لماذا جاءت فلسطين في قلب الخطاب.

فالأردن بقيادته الهاشمية لم يتعامل مع القضية الفلسطينية يوماً باعتبارها ملفاً موسمياً أو ورقة سياسية عابرة وإنما باعتبارها قضية عربية مركزية وقضية عدالة وحق وشرعية دولية وقضية ترتبط بصورة مباشرة بأمن المنطقة واستقرارها ومستقبل شعوبها.

لقد قال جلالة الملك للعالم بصورة واضحة إن سياسة احتواء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وتأجيل حله لم تعد مقبولة لأن الصراع الذي يُترك بلا حل لا يختفي وإنما تتراكم تداعياته ويتحول معه المؤقت إلى دائم وتصبح الوقائع المفروضة على الأرض أكثر صعوبة في المعالجة.

وفي غزة لم يتوقف الخطاب عند حدود المأساة الإنسانية على أهميتها وإنما وضعها في إطارها السياسي والقانوني الأوسع فالمشكلة ليست في آثار الحرب وحدها بل في استمرار غياب الحل السياسي الذي يعالج جذور الصراع ويضمن للشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة.

وفي الضفة الغربية جاء التحذير الملكي من الاستيطان ومصادرة الأراضي والتهجير وعنف المستوطنين باعتبارها تطورات لا يمكن فصلها عن مستقبل الدولة الفلسطينية.

وهنا تتجلى إحدى أهم الرسائل السياسية في الخطاب لا يمكن التعامل مع غزة والضفة الغربية كمسارين منفصلين لأن القضية الفلسطينية واحدة ومستقبل الدولة الفلسطينية لا يمكن أن يُبنى على تجزئة الجغرافيا أو الحقوق.

أما القدس فتبقى في الوجدان الهاشمي أكثر من مدينة إنها مسؤولية تاريخية ودينية ووطنية وفيها تتجسد الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية باعتبارها التزاماً متواصلاً تجاه المدينة ومقدساتها وهويتها ووضعها التاريخي والقانوني.

وفي هذا السياق يبرز البعد العروبي في الخطاب الملكي لا كشعار وإنما كممارسة سياسية متصلة فالعروبة التي يحملها الأردن ليست خطاباً انفعالياً بل عروبة مسؤولة تؤمن بأن حماية الحقوق العربية لا تنفصل عن احترام القانون الدولي وأن نصرة الأشقاء لا تعني التخلي عن منطق السلام وأن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على الظلم أو الإقصاء.

وهنا تكمن خصوصية الصوت الهاشمي.

فمنذ تأسيس الدولة الأردنية ارتبط الدور الهاشمي بقضايا الأمة وبالقدس والمقدسات وبالدفاع عن القضايا العربية مع الحفاظ في الوقت ذاته على نهج سياسي يقوم على الحكمة والاعتدال والحوار.

وهذا النهج ظهر في خطاب اليوم بوضوح لغة قوية في الموقف هادئة في التعبير عميقة في الحجة ومباشرة في تحميل المجتمع الدولي مسؤولياته.

ولم يكن خطاب جلالة الملك موجهاً إلى طرف بعينه فقط بل كان موجهاً إلى النظام الدولي بأسره.

فالسؤال الذي طرحه جلالته يتجاوز غزة وفلسطين إلى مستقبل القانون الدولي نفسه ماذا يبقى من قيمة القواعد والاتفاقيات والقرارات الدولية إذا استمرت دون تنفيذ؟

وهذه ليست مسألة سياسية عابرة إنها مسألة تتعلق بثقة الدول والشعوب بالمؤسسات الدولية وبقدرة الأمم المتحدة على أداء الدور الذي أنشئت من أجله.

لقد انتقل الخطاب بذلك من وصف الأزمة إلى مساءلة النظام الدولي ومن السؤال عن حجم المأساة إلى السؤال عن المسؤولية تجاهها ومن تعداد الانتهاكات إلى البحث عن الأدوات التي يمكن للمجتمع الدولي استخدامها لتحويل القانون من نصوص إلى أفعال.

لكن جلالة الملك لم يقف عند فلسطين.

فالأردن وهو يتحدث عن السلام الإقليمي يتحدث أيضاً عن أمنه الوطني.

وكانت الرسالة المتعلقة بسوريا واضحة إن استمرار التوسع والتوغلات وفرض الوقائع الجديدة في المنطقة لا يمكن النظر إليه بمعزل عن الأمن الإقليمي وأي تهديد للحدود الشمالية للأردن أو لأمنه المائي هو تهديد مباشر للأمن القومي الأردني.

وهنا تظهر قاعدة أخرى في السياسة الأردنية الانفتاح على الحوار لا يعني التهاون في حماية المصالح الوطنية.

فالأردن دولة سلام لكنه ليس دولة بلا مصالح ودولة اعتدال لكنها ليست دولة بلا ثوابت ودولة تؤمن بالدبلوماسية لكنها تدرك أن الدبلوماسية الحقيقية تبدأ من معرفة المصالح الوطنية وحمايتها.

ومن اللافت أن جلالة الملك بعد أن عرض حجم الأزمات لم يقدم الأردن بوصفه دولة منشغلة بالأزمات فقط وإنما دولة تبني مستقبلها بالتوازي مع مواجهتها للتحديات في الاقتصاد والتجارة والتكنولوجيا والأمن والعمل الإنساني ومواجهة التطرف.

وهذه صورة الأردن التي لطالما أرادها الهاشميون دولة ثابتة في محيط مضطرب لا تسمح للأزمات بأن تصادر مشروعها الوطني ولا تسمح للظروف الإقليمية بأن توقف مسيرة البناء.

إن خطاب اليوم يؤكد أن الدبلوماسية الأردنية بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني لم تعد تكتفي بأن تكون دبلوماسية رد فعل على الأحداث وإنما أصبحت دبلوماسية استباقية تحذر من مآلات الأزمات قبل تفاقمها وتقدم الحلول السياسية والقانونية والإنسانية وتضع المصالح الوطنية الأردنية في إطارها العربي والإقليمي والدولي. إن هذا النهج يتجاوز مجرد تشخيص الأزمات إلى طرح مسارات لمعالجتها.

ومن هنا فإن قراءة خطاب جلالة الملك لا ينبغي أن تتوقف عند عباراته المتعلقة بغزة أو سوريا أو القانون الدولي بل يجب أن نقرأه باعتباره حلقة جديدة في مسيرة الصوت الهاشمي في العالم العربي صوتٍ يرى في فلسطين قضية حق وفي القدس أمانة وفي العروبة مسؤولية وفي السلام خياراً استراتيجياً وفي القانون الدولي مرجعية لا يجوز أن تكون انتقائية.

لقد تحدث جلالة الملك من موقع الأردن لكنه خاطب ضمير العالم.

وتحدث باسم دولة تعرف حجمها الجغرافي لكنها تعرف أيضاً حجم مسؤوليتها التاريخية.

وتحدث بلغة الدبلوماسية دون أن يفقد وضوح الموقف.

وهذه ربما هي قوة الصوت الأردني أن يكون هادئاً دون أن يكون متردداً معتدلاً دون أن يكون متنازلاً وعروبياً دون أن يكون منغلقاً ودبلوماسياً دون أن يساوم على الثوابت.

في الأمم المتحدة لم يكن الأردن يبحث عن موقعٍ في المشهد فالأردن حاضر فيه منذ عقود.

ولم يكن الهاشميون يبحثون اليوم عن دور عربي فهذا الدور حملته القيادة الهاشمية عبر تاريخها من القدس إلى مختلف القضايا العربية وسيبقى الأردن وفياً لهذا الإرث.

إن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني اليوم هو في جوهره تأكيد جديد على أن الأردن سيبقى صوتاً للسلام وسنداً لفلسطين وحامياً للقدس ومقدساتها ومدافعاً عن القانون الدولي وحريصاً على أمنه الوطني ومصالحه ومتمسكاً بعروبته التي لا تتناقض مع الانفتاح على العالم بل تمنحه أساساً أخلاقياً وسياسياً للحضور فيه.

وفي زمنٍ تتعدد فيه الأزمات وتتراجع فيه الثقة بالمؤسسات الدولية جاء الصوت الهاشمي ليذكر العالم بأن السلام لا يصنعه تجاهل الصراع وأن القانون لا تكون له قيمة إذا بقي حبراً على ورق وأن أمن المنطقة لا يمكن أن يبنى على حساب حقوق شعب وأن العروبة حين تقترن بالحكمة تصبح موقفاً سياسياً قادراً على مخاطبة العالم كله.

هذا هو الأردن الذي تحدث من على منبر الأمم المتحدة.

وهذا هو الصوت الهاشمي الذي لم يتغير صوتٌ عربيٌّ أصيل حكيمٌ في أدواته ثابتٌ في مبادئه واضحٌ في ثوابته ومؤمنٌ بأن السلام العادل وحده هو الطريق إلى مستقبلٍ أكثر أمناً واستقراراً للمنطقة والعالم.

بشار المومني
الناشط الشبابي والسياسي

زر الذهاب إلى الأعلى