
الجاه والمنصب وتحمل المسؤولية.. رسالة إلى أبناء الأردن
المحامي د.ناصر ابو رمان
إن الجاه والمنصب ليسا امتيازًا يتفوق بهما الإنسان على غيره، ولا وسيلة لتحقيق المكاسب الشخصية، وإنما هما أمانة ومسؤولية. ومن يتولى موقعًا عامًا أو يحظى بمكانة اجتماعية، إنما يحمل معه مسؤولية أكبر تجاه الناس والوطن، لا سلطة أكبر عليهم.
إن قيمة الإنسان لا تُقاس بارتفاع منصبه، ولا بعدد من يقفون حوله، ولا بقدرته على فرض كلمته، وإنما تُقاس بما يقدمه، وبمدى نزاهته، وبقدرته على أن يبقى وفيًّا لمبادئه حين تتعارض مع مصلحته الشخصية.
لقد علّمنا التاريخ أن الأمم لا تضعف فجأة، وأن انهيارها لا يبدأ دائمًا من حدودها، بل قد يبدأ من داخلها؛ عندما تتقدم المصالح الشخصية على المصلحة العامة، وحين يصبح المنصب غاية، والجاه وسيلة للنفوذ، وتصبح المبادئ قابلة للمساومة.
وليس المقصود أن نتخذ من التاريخ مجالًا لإدانة الآخرين، بل أن نجعله مرآة نتعلم منها. وتجربة الأندلس، بما شهدته من انقسامات وصراعات على النفوذ وتغليب للمصالح الخاصة، تذكرنا بأن المجتمعات تكون أقوى عندما تتقدم وحدتها ومصلحتها العامة على نزوات الأفراد ومكاسبهم.
ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية تبدأ من سؤال بسيط، لكنه عميق: ماذا قدمت للوطن مقابل ما أخذت منه؟
فإذا كنت صاحب منصب، فاسأل نفسك: هل كان المنصب لخدمة الناس أم لخدمة ذاتي؟
وإذا كنت صاحب جاه ومكانة، فاسأل: هل جعلت مكانتي بابًا لقضاء حوائج الناس، أم جدارًا يحول بينهم وبين حقوقهم؟
وإذا كنت صاحب نفوذ، فاسأل: هل استخدمت نفوذي لحماية الضعيف وإنصاف المظلوم، أم لفتح الأبواب لنفسي ومن حولي؟
إن الأردن لا يحتاج إلى أصحاب مناصب يتباهون بمواقعهم، بقدر ما يحتاج إلى رجال دولة يحملون المسؤولية بضمير، ويعرفون أن المنصب مؤقت والوطن باقٍ.
نحتاج إلى من يدرك أن هيبة المسؤول لا تأتي من الخوف منه، وإنما من الثقة به؛ وأن احترام صاحب الجاه لا يأتي من قرب الناس منه طمعًا في مصلحة، وإنما من عدله ونزاهته؛ وأن أعظم ما يمكن أن يتركه الإنسان بعد رحيله ليس لقبًا يُذكر، ولا منصبًا يُكتب أمام اسمه، وإنما أثرًا طيبًا في حياة الناس.
إن الوطن أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأغلى من كل مكسب شخصي. ومن الخطأ أن يظن أحد أن خدمته للوطن تبدأ من موقعه وتنتهي بانتهاء موقعه. الوطن مسؤولية مستمرة، والوفاء له لا يرتبط بكرسي ولا بلقب.
فلنجعل من الجاه بابًا لخدمة الناس، ومن المنصب وسيلة للبناء، ومن النفوذ حمايةً للحق، ومن المكانة تكليفًا لا تشريفًا.
ولنتذكر دائمًا أن التاريخ لا يخلّد من جمع المناصب، بل من أحسن حمل الأمانة.
فليست العبرة أن تكون لك كلمة مسموعة، وإنما أن تكون كلمتك حقًا.
وليست العبرة أن تكون فوق الناس، وإنما أن تكون في خدمتهم.
وليست العبرة بما يمنحك الوطن من جاه ومنصب، وإنما بما تمنحه أنت للوطن من إخلاص وعمل ونزاهة.
إن الوطن أمانة في أعناقنا جميعًا، والجاه زائل، والمنصب عابر، أما الأردن فباقٍ. فليكن ولاؤنا للوطن أكبر من ولائنا للمصلحة، وليكن ضميرنا أقوى من نفوذنا، وليكن ما نتركه خلفنا شهادةً على أننا كنا أهلًا للأمانة والمسؤولية.







