أقلام حرة

مقهى خارج الزمن

سالم غنيم

الحكواتي يلتقي الأستاذ حمادة فراعنة «أبو عامر»
«حين حمل الفلسطيني قضيته من الذاكرة إلى السجن، ومن السياسة إلى الكتاب»
الحكواتي:
أبو عامر…
دعنا في هذا اللقاء الأول لا نبدأ من البرلمان، ولا من المجلس الوطني، ولا من الميثاق الوطني، ولا حتى من الكتب التي كتبتها طوال هذه السنوات.
أريد أن نبدأ من الإنسان.
من حمادة فراعنة قبل أن يصبح «أبو عامر»، وقبل أن يعرفه الناس سياسيًا وكاتبًا وصحفيًا ونائبًا وعضوًا في المجلس الوطني الفلسطيني.
فأنا أؤمن أن الإنسان لا يولد سياسيًا، وإنما تصنعه البيئة والأسرة والذاكرة والأسئلة التي تبدأ في داخله منذ الطفولة.
فمن أين بدأ حمادة فراعنة؟
حمادة فراعنة:
بدأت من بيئة فلسطينية كان لفلسطين فيها حضور دائم، ليس باعتبارها قضية سياسية فقط، وإنما باعتبارها جزءًا من حياة الإنسان وذاكرته وانتمائه.
نشأت وأنا أسمع عن فلسطين، وعن أهلها، وعن الظروف التي مر بها الفلسطينيون.
والطفولة تترك في الإنسان أشياء كثيرة، بعضها لا ندرك تأثيره إلا بعد سنوات.
الحكواتي:
إذن كانت فلسطين حاضرة في حياتك قبل أن تصبح حاضرًا في السياسة.
هل كانت فلسطين بالنسبة إليك في طفولتك مكانًا تعرفه، أم حكاية تسمعها؟
حمادة فراعنة:
كانت في البداية حكاية وذاكرة.
وهذا أمر طبيعي بالنسبة لجيل عاش تداعيات النكبة.
فالإنسان الفلسطيني الذي يعيش بعيدًا عن وطنه لا يفقد المكان فقط، وإنما يصبح المكان الغائب حاضرًا بصورة مختلفة.
يسمع أسماء المدن والقرى، ويسمع قصص الأهل، ويتعرف إلى الوطن من خلال الرواية والذاكرة.
الحكواتي:
وهذه النقطة تهمني كثيرًا، خصوصًا وأنا أعمل على السردية اللدية.
لأنني أجد أن المكان يمكن أن ينتقل من جيل إلى جيل من دون أن ينتقل الإنسان إليه.
قد لا يرى الابن بيت أبيه، لكنه يعرفه.
وقد لا يمشِ في شارع مدينته، لكنه يعرف اسمه.
وقد لا يولد في فلسطين، لكنه يشعر أن فلسطين جزء من تكوينه.
هل شعرت مبكرًا أن فلسطين ليست مجرد قضية تسمع عنها، وإنما جزء منك؟
حمادة فراعنة:
نعم، وهذا الشعور يتشكل بالتدريج.
البيت والمدرسة والمجتمع والأصدقاء والأحداث التي يعيشها الإنسان، كلها تساهم في بناء وعيه.
وفي مرحلة معينة يبدأ الإنسان في إدراك أن القضية التي يتحدث عنها الآخرون هي في الحقيقة جزء من هويته وتكوينه.
الحكواتي:
لكن هنا يظهر سؤال آخر.
أنت عشت في الأردن، والأردن كان المكان الذي احتضن حياتك وتجربتك.
كيف كنت تنظر إلى العلاقة بين الانتماء الفلسطيني والانتماء إلى المكان الذي تعيش فيه؟
حمادة فراعنة:
لا أرى أن هناك تناقضًا بالضرورة.
الفلسطيني يستطيع أن يكون منتميًا إلى المجتمع الذي يعيش فيه، وفي الوقت نفسه يحافظ على هويته وحقوقه الوطنية الفلسطينية.
الهويات ليست بالضرورة متعارضة.
المهم أن نفهم خصوصية كل هوية، وأن نحترم الآخرين، وأن نحافظ على الحقوق الوطنية.
الحكواتي:
وهذا يقودنا إلى تجربتك السياسية.
لكن قبل أن ندخل إليها، أريد أن أتوقف عند محطة أراها شديدة الأهمية في تكوينك:
السجن.
السجن ليس مجرد مكان.
إنه تجربة تعيد ترتيب الإنسان من الداخل.
ماذا فعلت سنوات السجن بحمادة فراعنة؟
حمادة فراعنة:
السجن تجربة قاسية، لكنها تعلم الإنسان الكثير.
عندما تُحرم من حريتك، تبدأ في إدراك قيمة أشياء كنت تعتبرها عادية.
أن تخرج، أن تمشي، أن تقابل الناس، أن تقرأ، أن تتحدث بحرية.
كل ذلك يصبح له معنى مختلف.
والسجن أيضًا يجعلك تعيد النظر في أفكارك وفي نفسك وفي علاقتك بالآخرين.
الحكواتي:
هل خرجت من السجن كما دخلته؟
حمادة فراعنة:
لا أعتقد أن الإنسان يخرج من تجربة كهذه كما دخلها.
التجربة تغيره.
وقد تجعل الإنسان أكثر صلابة، لكنها في الوقت نفسه قد تجعله أكثر هدوءًا وفهمًا لتعقيدات الحياة.
المهم ألا تخرج من الألم بلا درس.
الحكواتي:
وهذه عبارة تستوقفني:
«ألا تخرج من الألم بلا درس».
وربما هذا ما يفسر لاحقًا انتقالك من مجرد المشاركة في الشأن السياسي إلى محاولة فهمه وتحليله والكتابة عنه.
متى شعرت أن الكتابة أصبحت جزءًا أساسيًا من حياتك؟
حمادة فراعنة:
الكتابة بالنسبة لي كانت وسيلة للتعبير والتحليل والتوثيق.
أنا أعيش الأحداث وأتابعها، وعندما أشعر أن هناك فكرة تستحق أن تُسجل أو قضية تحتاج إلى قراءة، أكتب عنها.
فالكتابة ليست مجرد صفحات.
هي مسؤولية أيضًا.
الحكواتي:
ولذلك عندما ننظر إلى تجربتك الكتابية نجد أنك كتبت في قضايا كثيرة؛ عن ياسر عرفات، وأبو مازن، والمقاومة، والمفاوضات، والاستقلال، والقضية الفلسطينية، والأردن، والتحولات السياسية.
ما الذي كنت تبحث عنه وأنت تكتب؟
هل كنت توثق مرحلة؟
أم تحاول أن تفسرها؟
حمادة فراعنة:
كنت أحاول أن أفهم وأشرح وأوثق.
فلسطين مرت بمراحل كثيرة، والسياسة الفلسطينية لم تكن ثابتة.
هناك مقاومة، ومفاوضات، واتفاقات، وتحولات داخلية وإقليمية ودولية.
والكاتب الذي يعيش هذه المرحلة يشعر أن عليه أن يسجل قراءته لها.
الحكواتي:
إذن الكتاب بالنسبة إليك أصبح نوعًا من الشهادة.
والشهادة لا تعني أن الكاتب يملك الحقيقة المطلقة، وإنما أن يقول:
هذا ما رأيته، وهذا ما فهمته، وهذه هي قراءتي لما حدث.
هل توافقني؟
حمادة فراعنة:
بالتأكيد.
كل إنسان يقرأ الأحداث من موقعه وتجربته.
لكن المهم أن يكون صادقًا فيما يكتب، وأن يحاول أن يقدم رؤية تقوم على المعرفة والمتابعة، لا على الانطباع فقط.
الحكواتي:
أبو عامر…
لو نظرنا إلى مسيرتك حتى هذه اللحظة، سنجد محطات كثيرة:
طفولة وتكوين، ووعي فلسطيني، وسجن، ونشاط سياسي، ثم المجلس الوطني الفلسطيني، ثم البرلمان الأردني، ثم الكتابة.
هل كانت هذه المحطات منفصلة؟
أم أن كل واحدة منها كانت تمهّد لما بعدها؟
حمادة فراعنة:
هي مترابطة.
الإنسان لا يستطيع أن يفصل ماضيه عن حاضره.
التجارب التي مررت بها في مرحلة مبكرة أثرت في رؤيتي السياسية، والعمل السياسي أثر في كتابتي، والكتابة جعلتني أكثر قدرة على قراءة الأحداث.
كل مرحلة تضيف شيئًا إلى المرحلة التي بعدها.
الحكواتي:
دعني إذن أسألك سؤالًا مختلفًا.
لو أخذنا منك كل الألقاب:
النائب…
الكاتب…
الصحفي…
عضو المجلس الوطني…
والسياسي…
وبقي حمادة فراعنة وحده، بعيدًا عن كل هذه العناوين…
من يكون؟
حمادة فراعنة:
يبقى الإنسان.
وفي النهاية هذا هو الأهم.
المناصب تنتهي، والمراحل السياسية تتغير، لكن الإنسان وتجربته وما تركه خلفه هي التي تبقى.
الحكواتي:
وهذا بالضبط ما أبحث عنه في «مقهى خارج الزمن».
أنا لا أريد أن أكتب عنك باعتبارك مجموعة من المناصب والسنوات.
أريد أن أعرف الإنسان الذي كان وراء كل ذلك.
لأن السردية لا تصنعها المناصب وحدها.
السردية تصنعها الذاكرة.
والذاكرة لا تبدأ من البرلمان.
تبدأ من البيت.
ومن السؤال الأول.
من أين جئت؟
الحكواتي:
أبو عامر…
عندما دخلت لاحقًا إلى المجلس الوطني الفلسطيني، كنت تحمل معك كل هذه التجربة.
كنت تدخل مؤسسة تحمل تاريخًا طويلًا من النضال الفلسطيني، وفي مرحلة سياسية شديدة الحساسية.
ماذا كان يعني لك أن تصبح جزءًا من هذا المشهد؟
حمادة فراعنة:
كان يعني مسؤولية كبيرة.
المجلس الوطني لم يكن مجرد مؤسسة سياسية بالنسبة للفلسطينيين.
كان جزءًا من تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، ومن التعبير عن إرادة الشعب الفلسطيني.
وعندما تصبح عضوًا فيه، تشعر أنك أمام مسؤولية تتجاوز شخصك.
الحكواتي:
وهنا تبدأ مرحلة أخرى من الحكاية.
سنترك الطفل حمادة قليلًا، ونقترب من أبو عامر السياسي.
سنقترب من المجلس الوطني الفلسطيني، ومن تجربتك مع منظمة التحرير، ومن الأردن، ومن الميثاق الوطني، ومن البرلمان.
لكن قبل أن نصل إلى تلك المحطات، أريد أن أختم لقاءنا الأول بسؤال يعود بنا إلى الإنسان.
تخيل أن الطفل حمادة الذي بدأ رحلته قبل سنوات طويلة جاء وجلس أمامك الآن في هذا المقهى.
نظر إليك وسألك:
«كل هذه السنوات مضت… هل استطعت أن تفعل شيئًا لفلسطين؟»
ماذا ستقول له؟
حمادة فراعنة:
سأقول له:
حاولت.
فالإنسان لا يستطيع أن يفعل كل شيء، لكنه يستطيع أن يحاول، وأن يبقى وفيًا لما يؤمن به.
الحكواتي:
«حاولت»…
وربما هذه الكلمة أكثر صدقًا من كل عبارات البطولة.
فالإنسان لا يملك أن يغيّر التاريخ وحده، لكنه يستطيع أن يكون شاهدًا عليه، وأن يترك أثرًا في زمانه، وأن يحفظ شيئًا من الذاكرة للأجيال التي تأتي بعده.
أبو عامر…
في هذا اللقاء الأول لم ندخل بعد إلى السياسة بكل تفاصيلها.
أردت أن نعرف الرجل قبل الموقف، والإنسان قبل السياسي، والذاكرة قبل الكتاب.
وفي الغد، نفتح بابًا جديدًا من هذا المقهى.
سنذهب معك إلى السجن، ثم إلى المجلس الوطني الفلسطيني،
وإلى علاقتك بالعمل الوطني،
وإلى الأردن والميثاق الوطني والبرلمان.
وسنسأل سؤالًا أصعب:
ماذا يرى الإنسان عندما ينتقل من خارج السلطة إلى داخل مؤسساتها،
ثم يعود ليكتب تجربته بقلمه؟
أما اليوم…
فنترك الكرسي كما هو، والقهوة لم تبرد بعد، والذاكرة لم تقل كلمتها الأخيرة.
لأن حكاية حمادة فراعنة «أبو عامر» لم تبدأ من السياسة…
وما زالت لم تصل بعد إلى اللد.

زر الذهاب إلى الأعلى