
الخطأ إن أُصلح
مهنا نافع
لا يعتبر الخطأ، خطأ إلا عندما نرفض تصحيحه، هي مقولة ذائعة الصيت حتما ستشيح وجه المتلقي عن أي مسار لا يسره، ولم يعد يناسب مقتضيات العصر الحالي من تصاعد لهيمنة الذكاء الاصطناعي والالتفات لأهمية المهارات على اختلافها، لتبعث بنفسه الأمل بأن هناك إدراكا واعترافا بوقوع الخطأ، وأنه قابل للتصحيح، وأن المتمسك به يتحمل تبعات تأخير تصحيحه.
منذ ثلاث سنوات، والأرقام تأتي تباعا، أهمها عدد العاطلين عن العمل، ابتداءً من خريجي الجامعات من كليات الطب والهندسة إلى خريجي الكليات الجامعية والمراكز المهنية والمدارس، ومن ثم تأتينا الأرقام لأعداد العمالة الوافدة، وكم يقدر عدد المخالفين منها، لنسترسل بذكر الأرقام التي لم تذهب إلى إيرادات الخزينة العامة، رغم أن الرقم الإجمالي المرتفع لحامل التصريح والمخالف هو جوهر المشكلة، واليوم بعد فهم هذه الأرقام وانعكاسها على الاقتصاد ندرك تماما أن هناك خطأ فادحا لا مناص من تصحيحه، ولكن بقيت المعضلة عندنا بعد تقديم الحلول بأن نقع بالاختلاف مع حلول غيرنا، والتي تبدأ دائما بأن ما يناسب غيرنا لن يناسبنا، وننسى كيف ما نهله الغرب منا منذ عقود من آداب وعلوم وفنون حين ناسبه وحسنه وطوره، فترتبك الأقلام، وتضيع منها الكلمات.
وجاء القرار بالوقت المناسب، وكان لا بد من التغيير والتصحيح للمسيرة التعليمية، ومن الألف إلى الياء، ولكن تصاعدت بنفس الوقت الانتقادات حتى أن البعض تغنى بالنظام السابق، وكأن الأمور لا تقاس بخواتيمها، فهل من المقبول أن نهدر المال والوقت لنتفاجأ أن أبناءنا المتفوقين الذين كنا نتفاخر بمعدلاتهم بعد تخرجهم من كليات الطب والهندسة أُضيفت أسمائهم إلى قائمة العاطلين عن العمل، وهل من المقبول أيضا أن أبناءنا الذين كان لديهم بوادر ملحوظة من قدرات مهنية أُهملت بعدم تنميتها وصقلها بالمهارات المطلوبة لها، ليأتي الوافد من الخارج، فيشغل أماكن حاجاتنا من مهن ووظائف، ويبقى أبناؤنا يتنقلون بين مصطلحي التعطل والبطالة.
وأخيرا، أعاود الاقتباس مما سبق وكتبته، بأن اعتماد برنامج Business and Technology Education Council ,BTEC (مجلس التعليم للأعمال والتكنولوجيا) في بعض المدارس، كمسار مهني تقني اختياري مستقل لا يرتبط فقط بالتجارة أو الصناعة إنما يتوسع، ليشمل التصميم وتقنية المعلومات والإنشاءات، وكل ما نحتاجه من حرف أو مهن مختلفة، وحاليا وحسب الوضع الراهن بهذا المجال فالحصة الكبرى بسوق العمل تشغلها العمالة الوافدة، وبكل مسمياتها، لذلك نتطلع لإحلال أبنائنا مكانها بعد اكتسابهم المهارات التي تؤهلهم لذلك، ومن هنا ندرك الاختلاف عما يحدث لبعض التخصصات الأكاديمية المشبعة بسوق العمل، فلا فرص لها حاليا بتلك الوفرة إلا بالخارج بعكس الفرص المهنية التقنية المتوفرة، لذلك أجد أن علينا التريث قبل رفض هذا المسار، ولا ريب لدي بأن القائمين عليه لن يتوانوا قيد أنملة لتصحيح أي خطأ أو أي ثغرة ما بحيثياته، ليتم التعديل الطفيف على المقولة ذائعة الصيت، لتصبح، إن الخطأ لا يعتبر خطأ إن أُصلح.
مهنا نافع






