
في اليوم العالمي للسياحة
م. عدنان السواعير (رئيس مجلس مفوضي سلطة إقليم البترا التنموي السياحي)
في اليوم العالمي للسياحة، لا أريد أن أكتب عن البترا بالطريقة التقليدية التي اعتدناها كل عام، كلمات عن عظمة المكان، وصور للخزنة، وأرقام عن السياح، ثم نمضي إلى اليوم التالي، البترا أكبر من ذلك. ماذا نريد من البترا خلال السنوات القادمة؟ هل نريدها موقعاً أثرياً عظيماً يزوره السياح لبضع ساعات ثم يغادرونه؟ أم نريدها نموذجاً عالمياً لسياحة مستدامة، يعيش فيها التراث ويتفاعل هذا الموقع مع الإنسان ويصنع التنمية؟ هل يكفي أن نحمي الماضي؟ وهل نقيس نجاحنا في البترا بعدد التذاكر المباعة فقط، أم بما تتركه السياحة من أثر اقتصادي واجتماعي وثقافي على أبناء الإقليم وعلى الأردن كله؟ هذه ليست أسئلة ترف فكري، إنها أسئلة المستقبل. البترا اليوم، كما هو حال القطاع السياحي في الأردن، تواجه ظروفاً صعبة ومعقدة، ولا أعتقد أن الإنكار يساعدنا، كما أن التشاؤم لن ينقذنا والطريق الصحيح هو العمل، أن نعترف بالتحديات، وأن نرفض في الوقت نفسه أن تتحول الأزمة إلى عقلية دائمة، أو أن يتحول انخفاض أعداد الزوار إلى قناعة بأن الأمور لا يمكن أن تتغير. لقد صمدت البترا آلاف السنين أمام تغيرات أكبر بكثير من أزمات السياحة التي نعيشها اليوم. لكن البترا لا تستطيع أن تحمي نفسها وحدها، نحن من يجب أن نحميها، حمايتها لا تعني فقط حماية حجارتها وآثارها، على أهمية ذلك وضرورته، وإنما حماية منظومتها كاملة: البيئة، المشهد الطبيعي، المجتمع المحلي، الهوية الثقافية، تجربة الزائر، الاقتصاد المحلي. فالتراث الذي لا يتحول إلى فرصة للأجيال الجديدة قد يتحول، مع الوقت، إلى مجرد ذكرى جميلة، وهنا تحديداً أرى أن علينا أن نعيد تعريف العلاقة بين البترا والسياحة. السائح اليوم لم يعد يبحث فقط عن مكان يلتقط فيه صورة، إنه يبحث عن قصة، وتجربة، ومعرفة، وتفاعل، وشعور بأنه دخل إلى مكان له معنى. والبترا تملك أعظم قصة يمكن أن تقدمها. لكن السؤال هو: هل نقدم هذه القصة للعالم بالطريقة التي يستحقها هذا المكان؟ إننا نعيش في عصر تتغير فيه صناعة السياحة بسرعة، التكنولوجيا تعيد تعريف تجربة السفر، والذكاء الاصطناعي يغير طريقة اكتشاف الوجهات، والسائح أصبح أكثر اهتماماً بالاستدامة والثقافة والمجتمع المحلي. ولهذا لا يجوز أن نبقى أسرى للنموذج التقليدي، نحتاج إلى بترا أكثر ذكاءً، وأكثر استدامة، وأكثر انفتاحاً على التكنولوجيا، من دون أن نفقد أصالتها. نحتاج إلى أن تصبح التكنولوجيا وسيلة لحماية الموقع وفهمه وإدارة الزوار وتقديم قصته، لا أن تصبح بديلاً عن التجربة الإنسانية التي تمنح البترا فرادتها، نحتاج قبل كل شيء، إلى أن يكون الإنسان في قلب هذه العملية. أبناء البترا ليسوا مجرد مقدمي خدمات للسائح، هم جزء من هوية المكان، وحراس لذاكرته، وشركاء في مستقبله. لذلك فإن التنمية السياحية الحقيقية لا تكون بإقامة المشاريع من أجل المشاريع، ولا بعدّ المنشآت والأرقام فقط، وإنما بقدرتها على خلق فرص حقيقية، وفتح المجال أمام الشباب، وتمكين المرأة، وتشجيع الاستثمار المحلي، وإعطاء أبناء المنطقة دوراً أكبر في صناعة مستقبل المكان الذي يعيشون فيه. إنني أؤمن بأن البترا تستطيع أن تكون مدرسة عالمية في كيفية تحويل التراث إلى تنمية، لا من خلال استغلاله، وإنما من خلال احترامه، وهذا يتطلب منا أن ننتقل من إدارة الموقع إلى إدارة المنظومة، ومن التعامل مع الموسم السياحي إلى بناء صناعة سياحية مستدامة، ومن انتظار السائح إلى فهم السائح، ومن حماية الماضي فقط إلى صناعة المستقبل. لكل ذلك فإن اليوم العالمي للسياحة بالنسبة لي ليس مناسبة للاحتفال فقط، بل مناسبة للمراجعة أيضاً، علينا أن نسأل أنفسنا بصدق: ماذا فعلنا؟ ماذا نجح؟ ماذا لم ينجح؟ وما الذي يجب أن يتغير؟ النجاح الحقيقي لا يعني أن نقول إن كل شيء على ما يرام، وإنما أن تكون لدينا الشجاعة للاعتراف بما يحتاج إلى إصلاح، والإرادة لتنفيذه. وأنا متفائل. ليس لأن التحديات قليلة، وإنما لأن البترا تملك مقومات لا تملكها كثير من الوجهات السياحية في العالم: إرثاً استثنائياً، موقعاً عالمياً، طبيعة فريدة، مجتمعاً محلياً له تاريخ عميق مع المكان، وبلداً يملك إرادة حقيقية للحفاظ على هذه الجوهرة، لكن التفاؤل وحده لا يكفي بل نحتاج إلى رؤية وإلى شراكة وإلى قرارات. نحتاج إلى أن نؤمن بأن المستقبل لا يأتي إلينا جاهزاً، وإنما نحن الذين نصنعه. لقد ورثنا البترا من أجيال سبقتنا، لكننا لسنا أصحاب الحق في الاحتفاظ بها لأنفسنا، نحن مجرد حلقة في سلسلة طويلة. مهمتنا أن نسلمها إلى أبنائنا وأحفادنا وهي أكثر حماية، وأكثر قدرة على الاستمرار، وأكثر ارتباطاً بالإنسان، وأكثر حضوراً في العالم. لذلك، في اليوم العالمي للسياحة، أقولها بوضوح: لن تكون مهمتنا أن نعيد البترا إلى ما كانت عليه فقط، بل أن نأخذها إلى ما يجب أن تكون عليه، لا نريد عودة السياحة فحسب، نريد سياحة أكثر جودة واستدامة وعدالة ولا نريد أن تكون البترا مجرد صورة جميلة في ذاكرة الزائر، نريدها تجربة إنسانية تبقى معه. لا نريد أن يكون أبناء البترا متلقين لنتائج السياحة؛ نريدهم شركاء حقيقيين في صناعتها. لا نريد أن نتعامل مع البترا باعتبارها ماضياً نحرسه، نريد أن نجعل منها مستقبلاً نبنيه. البترا التي انتصرت على الزمن، لا ينبغي أن تخشى المستقبل. ومسؤوليتنا أن نكون على قدر هذا الإرث.






