أقلام حرة

الحاضنات الفكرية المتطرفة في الأردن

المهندس عبدالله أمجد أبو زيد

التطرف لا يبدأ برصاصة، بل بفكرة تجد طريقها إلى عقولنا، وتكبر في بيئة تسمح للكراهية بأن تتحول إلى موقف، وللتحريض أن يتحول إلى فعل.

ما شهدناه في الأردن خلال السنوات الماضية، من أحداث إرهابية ومحاولات استهداف أمن المجتمع، يطرح أمامنا سؤالاً لا يمكن تجاهله: كيف تتشكل الحاضنات الفكرية المتطرفة؟ وكيف يمكن أن تتحول بعض الأفكار إلى تهديد حقيقي للدولة والمجتمع؟

من أحداث عمّان عام 2005، إلى أحداث إربد والكرك عام 2016، وصولاً إلى أحداث السلط عام 2018، لم تكن المواجهة مع التطرف مجرد مواجهة أمنية، بل كانت اختباراً لقدرة المجتمع والدولة على حماية قيمهما وهويتهما الوطنية.

واليوم، ونحن أمام الاعتداء الإرهابي الذي شهدته الكرك، وما رافقه من استهداف لأبرياء، فإننا أمام ضرورة التوقف عند الأسباب التي تسمح للفكر المتطرف بأن يجد طريقه إلى المجتمع، دون استباق نتائج التحقيق أو تحميل المسؤولية لأشخاص أو جهات دون أدلة.

إن الحاضنات الفكرية المتطرفة لا تنشأ فقط في الأماكن المغلقة، وإنما قد تجد طريقها عبر خطاب الكراهية، والتحريض الديني والسياسي، والتهميش، وغياب العدالة، وتراجع الثقة بالمؤسسات، واستغلال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

ولا يمكن أن نغفل دور بعض الخطابات التي تقوم على إقصاء الآخر، وتكفير المجتمع، وتقسيم المواطنين إلى فئات، وكأن الاختلاف في الفكر أو الدين أو الموقف السياسي سبب للعداء.

وهنا تكمن خطورة التطرف؛ فهو لا يستهدف شخصاً بعينه، بل يستهدف فكرة الدولة والمجتمع، ويحاول ضرب الثقة بين المواطنين، وزرع الخوف والانقسام في وطن بني على التنوع والتعدد.

إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالمعالجة الأمنية وحدها، رغم أهميتها، وإنما تبدأ من التعليم، ومن الخطاب الديني المعتدل، ومن تعزيز العدالة الاجتماعية، وتوسيع المشاركة السياسية، وإعطاء الشباب مساحة حقيقية للتعبير والعمل والمشاركة في صناعة مستقبلهم.

فالشاب الذي يشعر أن له مكاناً في وطنه، وأن حقوقه مصانة، وأن الفرص لا تقوم على الواسطة أو المحسوبية، يكون أكثر قدرة على مواجهة الأفكار التي تحاول استغلال إحباطه وتحويله إلى أداة في مشاريع الكراهية.

كما أن مسؤولية مواجهة التطرف لا تقع على الدولة وحدها، بل تمتد إلى المؤسسات التعليمية، والأحزاب السياسية، والإعلام، والمجتمع المدني، وكل من يمتلك منبراً أو تأثيراً في تشكيل الوعي العام.

إن الأردن أكبر من أن تختصر هويته في خطاب متطرف، وأقوى من أن تهز وحدته أفكار الكراهية.

المطلوب اليوم ليس فقط أن نحمي حدود الدولة، بل أن نحمي عقول أبنائها، وأن نواجه كل خطاب يحاول تحويل الاختلاف إلى عداوة، أو الدين إلى أداة للإقصاء، أو السياسة إلى وسيلة لتقسيم المجتمع.

فالدولة التي لا تواجه أسباب التطرف، ستبقى تواجه نتائجه.

والأردن الذي نريده هو الأردن الذي يحمي أمنه، ويصون حرياته، ويحقق العدالة، ويمنح شبابه الأمل، ويؤمن أن قوة الوطن لا تكون بإقصاء المختلف، بل بوحدة أبنائه.

لن يكون التطرف أقوى من وطن يؤمن أبناؤه بالعدالة، ولا أقوى من مجتمع يرفض الكراهية، ولا أقوى من دولة تحمي الإنسان وتصون كرامته.

المهندس عبدالله امجد ابوزيد

زر الذهاب إلى الأعلى