أقلام حرة

مقهى خارج الزمن

الحكواتي يلتقي الأستاذ حمادة فراعنة «أبو عامر»
سالم غنيم

الحلقة الثانية

اليوم الثاني: من السجن إلى المجلس الوطني… ومن السياسة إلى الكتاب
الحكواتي:
أبو عامر…
في لقائنا الأول حاولنا أن نبتعد قليلًا عن السياسة، وأن نبحث عن الإنسان الذي كان قبل السياسي، وعن الطفل الذي تشكل وعيه في زمن كانت فيه فلسطين حاضرة في الذاكرة حتى وهي غائبة عن المكان.
أما اليوم، فأريد أن نفتح بابًا آخر من سيرتك.
باب السجن، والعمل الوطني، والمجلس الوطني الفلسطيني، ثم الأردن والميثاق الوطني والبرلمان، وصولًا إلى الكتابة.
لكنني لا أريد أن أتعامل مع هذه المحطات باعتبارها عناوين في سيرة ذاتية، وإنما أريد أن أعرف ماذا فعلت كل محطة بالإنسان حمادة فراعنة.
لنبدأ من السجن.
ماذا كان يعني السجن بالنسبة لشاب يؤمن بقضية ويجد نفسه بسببها خلف القضبان؟
حمادة فراعنة:
السجن تجربة قاسية، لكنه في الوقت نفسه تجربة تكشف الإنسان لنفسه.
عندما يفقد الإنسان حريته، يبدأ في إدراك قيمة أشياء كثيرة كان يتعامل معها وكأنها أمور عادية.
أن تخرج من الباب، أن تمشي في الشارع، أن تلتقي بأهلك وأصدقائك، أن تقرأ وتكتب وتتحدث بحرية…
كل هذه الأشياء تصبح بعد السجن ذات معنى مختلف.
الحكواتي:
وهل كنت تخاف؟
حمادة فراعنة:
طبعًا، فالخوف شعور إنساني.
لكن هناك فرق بين أن يشعر الإنسان بالخوف وبين أن يسمح للخوف بأن يتحكم في قراراته.
عندما يكون الإنسان مؤمنًا بما يفعل، يصبح قادرًا على تحمل الكثير من الصعوبات.
الحكواتي:
وهل خرجت من السجن كما دخلته؟
حمادة فراعنة:
لا أعتقد ذلك.
كل تجربة كبيرة تترك أثرها في الإنسان.
والسجن يجعل الإنسان يعيد النظر في أشياء كثيرة؛ في الحرية، وفي العلاقات، وفي القناعات، وفي معنى المسؤولية.
وقد يخرج الإنسان من السجن أكثر صلابة، لكنه إذا استفاد من التجربة يخرج أيضًا أكثر فهمًا للحياة.
الحكواتي:
إذن السجن لم يكن مجرد فترة زمنية مرت وانتهت، وإنما كان جزءًا من تكوينك.
حمادة فراعنة:
نعم.
الإنسان لا يستطيع أن يفصل نفسه عن تجاربه.
كل ما مررت به ترك شيئًا في شخصيتي وفي طريقة تفكيري.
الحكواتي:
بعد ذلك جاءت مرحلة أوسع في العمل الوطني الفلسطيني، عندما أصبحت عضوًا في المجلس الوطني الفلسطيني منذ عام 1984.
ماذا كان يعني لك أن تدخل مؤسسة بهذا الحجم من التاريخ الفلسطيني؟
حمادة فراعنة:
كان ذلك مسؤولية كبيرة.
المجلس الوطني الفلسطيني كان مؤسسة أساسية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، ويضم شخصيات واتجاهات متعددة.
أن تكون جزءًا منه يعني أنك تشارك في نقاش يتعلق بالقضية الفلسطينية ومستقبل الشعب الفلسطيني.
وهذا يتطلب وعيًا بالمسؤولية، وليس مجرد حضور أو عضوية.
الحكواتي:
هل كان الاختلاف داخل المجلس الوطني مشكلة؟
حمادة فراعنة:
الاختلاف ليس مشكلة بحد ذاته.
بالعكس، الاختلاف موجود في كل مجتمع وفي كل مؤسسة.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف السياسي إلى خصومة شخصية أو إلغاء للآخر.
العمل الوطني يحتاج إلى القدرة على الحوار وإدارة الاختلاف.
الحكواتي:
وهذا يقودنا إلى الأردن.
أنت فلسطيني، لكنك عشت في الأردن، ومارست العمل السياسي من داخله، ثم أصبحت لاحقًا نائبًا في البرلمان الأردني.
كيف كنت ترى هذه العلاقة بين الهوية الفلسطينية والانتماء إلى المجتمع والدولة التي تعيش فيها؟
حمادة فراعنة:
كنت وما زلت أرى أن الأمر ليس تناقضًا.
الفلسطيني يستطيع أن يحافظ على هويته الوطنية وحقوقه الفلسطينية، وفي الوقت نفسه يكون جزءًا من المجتمع الذي يعيش فيه ويساهم في حياته السياسية والاجتماعية.
الأردن وفلسطين بينهما تاريخ طويل وروابط اجتماعية وجغرافية وسياسية عميقة.
المهم أن نفهم هذه العلاقة بعيدًا عن محاولات خلق التناقض.
الحكواتي:
وأنت كنت جزءًا من تجربة الميثاق الوطني الأردني.
كيف تقرأ تلك التجربة اليوم بعد مرور كل هذه السنوات؟
حمادة فراعنة:
كانت محاولة لإيجاد صيغة توافق وطني حول قضايا أساسية تتعلق بالدولة والمجتمع والحياة السياسية.
والتوافق لا يعني أن الجميع يفكر بالطريقة نفسها.
إنما يعني أن نصل إلى أرضية مشتركة تسمح للمجتمع بأن يتحرك إلى الأمام رغم اختلافاته.
الحكواتي:
وهذه ربما واحدة من أهم مشكلات العمل السياسي:
كيف نختلف دون أن نتحول إلى أعداء؟
حمادة فراعنة:
بالوعي السياسي.
وباحترام الآخر.
وبالإيمان بأن الوطن أكبر من الأشخاص والأحزاب والتيارات.
الحكواتي:
ثم جاءت تجربة البرلمان الأردني.
وأنا أريد أن أسألك عن البرلمان من الداخل، لا عن الصورة التي يراها الناس من الخارج.
ماذا رأيت تحت القبة؟
حمادة فراعنة:
رأيت المجتمع بكل تنوعاته.
في البرلمان تجد الحزبي والمستقل، وتجد السياسي والعشائري، وتجد صاحب القضية وصاحب المطلب المحلي.
والنائب أمام مسؤولية مزدوجة؛ فهو يمثل الناس الذين انتخبوه، لكنه في الوقت نفسه عضو في مؤسسة وطنية.
لذلك لا يجوز أن تكون نظرته محصورة في منطقة أو فئة فقط.
الحكواتي:
هل غيّرت تجربة البرلمان رؤيتك للسياسة؟
حمادة فراعنة:
بالتأكيد.
عندما تكون خارج المؤسسة تنظر إلى الأمور بطريقة معينة.
لكن عندما تدخلها وتتعامل مع التشريع والرقابة ومطالب الناس ومشكلات الدولة، تكتشف أن الواقع أكثر تعقيدًا.
وهذا لا يعني التخلي عن القضايا التي تؤمن بها، وإنما يعني فهم الواقع بصورة أعمق.
الحكواتي:
وهنا أعود إلى فلسطين.
هل شعرت أن وجودك داخل البرلمان الأردني جعل رؤيتك للقضية الفلسطينية أكثر تعقيدًا؟
حمادة فراعنة:
جعلني أكثر إدراكًا لتشابك الملفات.
القضية الفلسطينية ليست منفصلة عن محيطها العربي والإقليمي والدولي.
وفي الوقت نفسه، فإن هذا التشابك لا يلغي الحقوق الوطنية الفلسطينية.
بل يجعل الحاجة إلى فهمها بصورة صحيحة أكبر.
الحكواتي:
بعد هذه التجارب كلها، انتقلت بقوة إلى الكتابة.
وهنا أعتقد أن القلم أصبح بالنسبة إليك وسيلة أخرى لممارسة السياسة، ولكن بطريقة مختلفة.
هل ترى الكتابة امتدادًا للعمل السياسي؟
حمادة فراعنة:
الكتابة بالنسبة إلي وسيلة للفهم والتحليل والتوثيق.
عندما تكتب عن حدث، تضطر إلى العودة إليه، وإلى قراءة تفاصيله، ومقارنته بما سبقه وما تلاه.
ولهذا فإن الكتابة تجعل الإنسان أكثر قدرة على مراجعة أفكاره.
الحكواتي:
كتبت عن ياسر عرفات، وأبو مازن، والمفاوضات، والمقاومة، والاستقلال الفلسطيني، والتحولات السياسية.
ما الذي كنت تبحث عنه من خلال هذا الإنتاج الكبير؟
حمادة فراعنة:
كنت أحاول أن أقرأ المرحلة الفلسطينية بمختلف جوانبها.
فالتاريخ الفلسطيني ليس مرحلة واحدة، ولا يمكن اختزاله في شخصية أو حدث.
هناك محطات متعددة، وهناك نجاحات وإخفاقات، وهناك قرارات أصابت وأخرى أخطأت.
والواجب أن نقرأ التجربة كاملة.
الحكواتي:
وهنا أتفق معك.
فالتاريخ الذي لا نراجعه يتحول إلى أسطورة، والأسطورة لا تعلّم الأجيال.
أما التاريخ الذي نقرأه بكل نجاحاته وأخطائه، فإنه يصبح مدرسة.
هل تعتقد أن الفلسطينيين اليوم يقرأون تاريخهم السياسي بهذه الطريقة؟
حمادة فراعنة:
نحن بحاجة إلى قراءة أكثر نقدية وموضوعية.
لا توجد شخصية سياسية بلا أخطاء، ولا توجد تجربة سياسية بلا نجاحات وإخفاقات.
إذا أردنا أن نتعلم من الماضي، يجب ألا نقرأه بعين المحبة أو الكراهية فقط.
يجب أن نقرأه بعين المعرفة.
الحكواتي:
وهذا ربما هو السبب الذي يجعلني أرى الكتاب جزءًا من الذاكرة.
فالسياسي يمضي، والمرحلة تنتهي، لكن ما يكتبه الإنسان قد يبقى شاهدًا على زمنه.
هل كنت تكتب لمن عاش الأحداث معك، أم لمن سيأتي بعدك؟
حمادة فراعنة:
للجميع.
لمن عاش المرحلة حتى يراجعها، وللجيل الجديد حتى يعرف ما الذي حدث.
لا يجوز أن يبدأ كل جيل من الصفر.
الحكواتي:
وهنا، أبو عامر، نصل إلى النقطة التي كنت أؤجلها طوال هذا اللقاء.
لأنني مهما تحدثت معك عن السجن والمجلس الوطني والبرلمان والكتب، يبقى عندي سؤال آخر.
اللد.
أريد أن أعرف أين تقف اللد في كل هذه السيرة.
هل كانت اللد بالنسبة إليك مجرد مدينة فلسطينية مثل غيرها؟
أم أن لها مكانًا خاصًا في الذاكرة؟
حمادة فراعنة:
اللد مدينة فلسطينية لها تاريخها ومكانتها.
والمدن الفلسطينية ليست مجرد أسماء على الخريطة.
كل مدينة تحمل ذاكرة أهلها، وعائلاتها، وأحداثها، وما مر بها من تحولات.
واللد واحدة من المدن التي لا يمكن فصل تاريخها عن التاريخ الفلسطيني العام.
الحكواتي:
لكنني أريد أكثر من ذلك.
أريد اللد كما تسكن في الإنسان، لا كما تظهر في كتاب التاريخ.
لو طلبت منك أن تستحضر اللد من الذاكرة، فهل تبدأ من الناس أم من المكان؟
حمادة فراعنة:
أبدأ من الناس.
فالمدينة في النهاية يصنعها أهلها.
البيوت والشوارع مهمة، لكن ما يعطي المدينة معناها هو الإنسان الذي عاش فيها، وعلاقته بجيرانه وأهله ومجتمعه.
الحكواتي:
وهذه إجابة تفتح لنا باب الغد.
لأن السردية اللدية التي أعمل عليها لا تريد أن تجعل اللد مجرد جغرافيا.
أريدها مدينة حية:
بأهلها، بعائلاتها، بذاكرتها، بحكاياتها، بأفراحها وأحزانها، وبالأشخاص الذين خرجوا منها ثم حملوها معهم أينما ذهبوا.
ولهذا سأترك اللد الآن عند باب المقهى.
غدًا سأفتح لها الباب.
وسأسألك عن اللد التي عرفتها من خلال الذاكرة، وعن أهلها، وعن صورتها في الوعي الفلسطيني، وعن معنى أن تبقى مدينة حاضرة حتى بعد أن تتغير جغرافيتها السياسية.
وربما يكون السؤال الأهم:
هل يستطيع الإنسان أن يكون ابنًا لمدينة لم يعد يستطيع الوصول إليها؟
حمادة فراعنة:
الانتماء لا يتوقف على القدرة على الوصول.
الإنسان يمكن أن يحمل مدينته معه أينما ذهب.
الحكواتي:
وهكذا ينتهي لقاؤنا الثاني.
اليوم دخلنا السجن، وعرفنا كيف يمكن للتجربة القاسية أن تعيد تشكيل الإنسان.
ودخلنا المجلس الوطني، وتحدثنا عن العمل الوطني والاختلاف.
وجلسنا تحت قبة البرلمان، وتحدثنا عن الأردن وفلسطين.
ثم فتحنا صفحات الكتب، وبحثنا عن الذاكرة التي حاول الكاتب أن يحفظها بالقلم.
لكن اللد…
ما زالت تنتظرنا.
وغدًا، في «مقهى خارج الزمن»، لن تكون اللد موضوعًا في الحوار.
ستكون هي الحاضرة في الحوار.
سنحاول أن نسمع صوت المدينة من خلال ذاكرة أبنائها، وأن نعرف ماذا بقي منها في وجدان حمادة فراعنة «أبو عامر».
فربما تكون المدينة قد غابت عن المكان…
لكنها لم تغب عن الذاكرة.

زر الذهاب إلى الأعلى