
في حلبة الوحدة صديقان يتبادلان النجاة مسرحية “اهمس في أذني السليمة”
الشاهين الاخباري – دعاء خلف
في الساحة الخلفية لمسرح أسامة المشيني، وضمن الدورة الخامسة من مهرجان الرحالة للفضاءات المغايرة، قدمت مسرحية “اهمس في أذني السليمة” التي أعدها وأخرجها الدكتور محمد حسين حبيب عن مسرحية للكاتب الأميركي وليم هانلي. أقيم العرض مساء الثلاثاء داخل خشبة صممت على هيئة حلبة مصارعة. حبال تحيط بالمكان، وفي الداخل كراسي موزعة من غير ترتيب ظاهر. قبل دخول الممثلين ظننت أنني أمام عرض له علاقة بالمصارعة. دخل الرجلان من دون أن يرفعا قبضتيهما أو يقف أحدهما في مواجهة الآخر. احتاج العرض إلى دقائق قليلة كي يكشف أن المصارعة هنا من نوع آخر.
منذ الدقائق الأولى بدا لي أن الخوف عند الرجلين أكبر من الموت نفسه. الخوف الأشد أن يستيقظ الواحد منهما ولا يكون موجودا في يوم أحد. له سرير ومقعد ورعاية، لكن لا شخص ينتظر وصوله. العمى وغياب الأبناء والمسدس اجتمعت داخل الحلبة، وكانت الوحدة تتسرب من بينها جميعا. العرض ترك الرجلين أمامنا من غير خطبة عن قيمة الحياة، وكلما اقترب أحدهما من السقوط وجد الآخر ما يفعله، حتى لو لم يكن في يده سوى حكاية اخترعها.
دخل أحمد عباس في دور تشارلي مناديا صديقه، ثم جاء محمد حسين حبيب في دور ماكس وبدأت بينهما مسامرة عن شاب وفتاة يجلسان تحت شجرة. يسأل تشارلي عما يفعلانه، ويجيبه ماكس بالتفاصيل. بدا الأمر في البداية فضول رجلين مسنين يراقبان الحياة من بعيد. ثم عرفنا من سياق العرض أن تشارلي أعمى. جاءت المعلومة بهدوء، لكنها أعادتني فورا إلى أسئلته السابقة. كان يحتاج إلى عيني صديقه كي يعرف ما يجري حوله، وماكس منحه أكثر مما طلب.
أحببت أن الشخصيتين لم تدخلا جاهزتين أمامي. تشارلي يسأل عن الشاب والفتاة من غير أن أعرف أنه أعمى، وحين عرفت رجعت في ذاكرتي إلى أسئلته الأولى. بعدها اطمأننت إلى ماكس بوصفه العين التي ترى، قبل أن أكتشف أن المشهد كله من اختراعه. ثم جاءت عائلته التي لا وجود لها. كل كشف كان يبدل معنى شيء سبق أن رأيته، ويعيدني إلى الرجلين كأنني أراهما مرة أخرى.
ليلة العرض كانت حارة، والمعاطف التي ارتداها الممثلان شتوية وثقيلة. مع ذلك جعلاني أشعر بالبرد. صدقت بردهما أكثر من الطقس الذي كنت أجلس فيه، لأنهما حملاه في جسديهما وطريقة احتمائهما داخل الملابس. اقتصر الديكور الذي صممه محمد حسين حبيب على الحلبة والكراسي، وامتلأ المكان بما وصفه الرجلان. غابت الشجرة والعاشقان عن العين، وحضرا في المساحة التي ظلا ينظران نحوها. واستخدم الممثلان الحلبة كلها، فلم يتحول الحوار الطويل إلى جلوس ثابت حول مقعدين.
بدت الكراسي المبعثرة جزءا من حياة الرجلين في دار العجزة؛ أماكن للانتظار أكثر منها أثاثا. مر العرض بها من غير أن يثبت لها معنى واحدا، وهذا خدمها في رأيي.
اختيار ممثلين متقدمين في العمر كان أساسيا في صدق التجربة. الشيخوخة هنا لم تصنع بانحناءات أو رجفة مقصودة لإقناعنا بالعمر. الممثلان يعرفان الجسد الذي يدخلان به إلى الخشبة، وظهرت الخبرة في الاقتصاد بالحركة وفي القدرة على ترك الجملة تأخذ وقتها. أكثر ما شدني كان ما بينهما. شعرت أنهما صديقان قبل أن تقوله الحكاية، وأن هذه المسامرة ليست الأولى بينهما. كانا مرتاحين في تبادل الكلام، يعرف كل منهما طباع الآخر ومزاحه وتردده. وفي عرض يقوم معظمه على رجلين يتحدثان، كان هذا هو الفارق بين أن أشاهد علاقة وأن أسمع نصا محفوظا.
جسد أحمد عباس وجسد محمد حسين حبيب حملا إلى العرض زمنا لا يمكن صنعه بالمكياج. في طريقة الجلوس والنهوض والاقتصاد في الحركة شيء سابق على اللحظة التي نشاهدها. التعب كان يمر في الإيقاع، وفي المسافة القصيرة التي يقطعانها، وفي حرص كل واحد منهما على الآخر؛ لذلك لم يحتج إلى علامة مستقلة تعلن وجوده.
الفارق بين تشارلي وماكس ظهر في موقف الشخصيتين مما يحدث لهما أكثر مما ظهر في الشكل. بدا ماكس أهدأ وأقدر على إخفاء خوفه، بينما اقتربت أنا من تشارلي وتعاطفت معه منذ انكشاف عماه. ثم بدأ هذا التقسيم يختل. ماكس ينهار، وتشارلي الذي احتاج إلى المساندة يجد نفسه قادرا على منحها.
اختراع ماكس للعاشقين كان أول باب واسع إلى داخله. ظل يصف لصديقه شابا وفتاة تحت الشجرة، يمنحهما حركة وقربا وحكاية، ثم عرفنا أنهما لم يكونا هناك أصلا. حزنت عندما ظهرت الحقيقة، من غير إحساس بأن العرض خدعني من أجل مفاجأة متأخرة. توقفت عند هذه الكذبة طويلا. هي لم تأخذ من تشارلي شيئا؛ أعطته دقائق عاش فيها صورة لا يستطيع رؤيتها. وبعدها صار سؤال آخر يلح علي: هل كان ماكس يخترع المشهد لصديقه وحده أم لنفسه أيضا؟ اختفى العاشقان، وبقيت عتمة تشارلي كما هي، لكن الصمت حول ماكس صار أثقل.
ثم اعترف بأنه لا يملك أبناء، وأن العائلة التي تحدث عنها لم تكن حقيقية؛ هنا بكيت.
رجل يخترع أبناءه كي يشعر بأن له مكانا خارج دار العجزة، وأن أحدا قد يكتب إليه أو ينتظر وصوله. الحقيقة وحدها كانت كافية. ماكس دخل علينا ضاحكا، يصف ويتماسك، ثم خرج هذا الاعتراف منه دفعة واحدة. حتى بكاؤه على أبيه جاءني كأنه كشف لشيء ظل يحاول إبقاءه مستورا، لا إضافة لمأساة جديدة.
لو قال ماكس منذ البداية إنه وحيد لقرأنا كل كلمة بعدها كشكوى رجل منكسر. لكنه جعلنا نطمئن إليه أولا، ولهذا أصابني اعترافه في مكان آخر. أكثر ما بقي معي أن الرجل الذي كان يرى لتشارلي احتاج هو أيضا إلى من يراه.
كان الصوت واضحا، ووصلت لحظات البوح والهمس بفضل الميكروفونات التي ارتداها الممثلان. تنقلت النبرة بين المزاح والخوف والبكاء، وكان الأداء حيا في طبقاته. ومع ذلك كنت أفضل سماعهما من دون ميكروفون. صوتاهما قويان وواضحان وفيهما فخامة، والقرب الذي صنعه العرض كان يسمح بوصول الصوت مباشرة من الجسد. التقنية ضمنت الوضوح، لكنها أدخلت وسيطا في عرض يقوم جزء من جماله على المسافة القصيرة بين رجل يهمس وآخر يسمعه.
هنا صار العنوان أقرب إلي. الأذن السليمة في العرض بدت لي أكثر من أذن تسمع جيدا. كل واحد منهما احتاج إلى الآخر عندما صار الكلام العادي أضيق من أن يحمل ما يريد قوله. الهمس كان اقترابا من شخص يؤتمن على ما سيقال قبل أن يكون انخفاضا في الصوت.
والإصغاء خرج من الحكاية إلى الأداء نفسه. كان أحدهما يقول الجملة ويتركها تصل، والآخر لا يستعجل دوره. أحيانا كنت أراقب وجه المستمع أكثر مما أراقب من يتكلم. انتظاره، أو تغير ملامحه قبل الإجابة، أبقى الحوار حيا. في مثل هذا العرض يكفي أن يستعجل الممثل دوره قليلا حتى يتحول الكلام إلى تبادل مرتب؛ وهذا لم يحدث.
مع كثافة الحوار ظل إيقاع العرض ممسكا بي. الصمت حمل خوفا وتوترا، وأحيانا كان تردد أحدهما في الإجابة يدفع المشهد أكثر مما تفعل الحركة. تمنيت فعلا لو أن المسرحية لم تنته.
ظهر المسدس تدريجيا داخل العلاقة، ودخل خطر الانتحار من غير إعلان مبكر أو وضع السلاح في مركز الصورة منذ اللحظة الأولى. أخذ معناه يتكشف كلما عرفنا مقدار ما فقده الرجلان. وجودهما في دار العجزة وغياب الأبناء وفقدان البصر والوحدة التي تطول يوما بعد يوم جعلت الموت يبدو لهما احتمالا لا يحتاج إلى بطولة ولا إلى خطاب. أكثر ما آذاني كان الطريقة التي صار بها كل واحد منهما في أعين العالم جسدا يحتاج إلى الرعاية، فيما بقي داخله كل ذلك الذي لا يدخل في ملف الرعاية: الذاكرة، والرغبة، والحب، والحاجة إلى الكلام. دار العجزة ظهرت كأنها انتظار طويل لزيارة قد تأتي، ورسالة قد تكتب، وولد قد يتذكر.
هذه مادة تقف قريبة جدا من الميلودراما. رجل أعمى، وأبناء غائبون، وعائلة مخترعة، ودار للعجزة، وبكاء على الأب، ثم مسدس ينتظر أن يستخدم. اجتماع هذه العناصر كان كفيلا بسهولة بأن يحول الشخصيتين إلى كتلتين من البؤس. ما حمى العرض في نظري هو أداء أحمد عباس ومحمد حسين حبيب؛ المزاح بقي في مكانه، والصمت أخذ وقته، والانكسار تأخر إلى أن عرفنا الرجلين في لحظات أخف. لذلك جاء الخوف عليهما من العلاقة التي تكونت معهما، لا من تراكم العلامات الحزينة. ومع ذلك ظل العرض على حافة حساسة؛ زيادة صغيرة في البكاء أو الموسيقى كانت كافية لتغيّر ميزانه.
عندها أخذت الحلبة معنى أوضح. صارت حدودا تحاصر رجلين يخوضان صراعا لا يستطيعان توجيه ضربة إليه، والمفارقة أن الحصار أقيم في ساحة مفتوحة؛ السماء فوقهما والطريق قريب، لكن الحياة خارج الحبال بدت أبعد. الحلبة تعرضهما للنظر من كل الجهات ولا تمنحهما منفذا. أقوى حضور لها بقي في البداية والنهاية. في الوسط اعتادت العين على الحبال، وصارت في أوقات كثيرة حدا محيطا أكثر من كونها شريكا في الحركة. كنت أريد أن أراها تضغط على الجسد أو تعيد رسم المسافة بين الرجلين، كي ينمو أثرها بصريا مع ما يحدث بينهما.
الساحة الخلفية لمسرح أسامة المشيني عملت كفضاء حقيقي للعرض، لا كقاعة نقلت إلى الهواء الطلق. المكان كشف الحلبة كلها أمامنا، وألغى الواجهة التي يختبئ خلفها المسرح التقليدي. رأيت رجلين داخل الحبال يتخيلان حياة بعيدة، فيما كانت الطريق والسماء قريبتين منهما فعلا. هذا القرب خدم العرض، لكنه جعل المساحة الخامدة والحبل الذي لا يدخل في الحركة ظاهرين أيضا. وربما لهذا بقيت أنتظر من الصورة الأولى أن تواصل الضغط بعد أن اعتادت العين عليها.
الصداقة فتحت احتمالا آخر من غير أن تمحو شيئا مما سبق. في البداية يسند ماكس تشارلي بحكاية العاشقين، ثم يصل هو إلى لحظة يفقد فيها الأمل، فيحاول تشارلي إعادته. أسباب اليأس بقيت في مكانها، ومن دون خطاب عن جمال الحياة دخلت الرمانة. أكلاها بنهم كأنهما يتذوقانها للمرة الأولى. أحببت هذا التفصيل كثيرا؛ شيء صغير، حقيقي، يمكن الإمساك به وأكله، وسط كلام طويل عن الموت.
ما فعله كل واحد منهما للآخر بقي أصغر من المصائب التي تحاصرهما. تشارلي لم يستعد بصره، وأبناء ماكس بقوا غائبين، والعمر لم يتراجع. واحد وصف والآخر أصغى، ثم أكلا رمانة وأجلا الموت. الصداقة هنا لا تشفي، والألم لا يختفي. وهذا كان كافيا بالنسبة إلي.
حافظ العرض على توازنه بين الوجع والكوميديا السوداء. لم أضحك كثيرا، لكن المزاح بدا جزءا من طريقة الرجلين في احتمال الخوف، لا استراحة مفروضة على المشاهد. كما خدمت الموسيقى والمؤثرات الصوتية التي تولاها علي عدنان التويجري المشاهد الأخيرة، وأدخلت شيئا من الفرح من دون أن تبدد ما سبقها. ابتسمت عندما بدا أن الصديقين قررا البقاء، ولو إلى حين.
في النهاية فك حبل الحلبة وخرج الرجلان. هنا عاد قرار محمد حسين حبيب الإخراجي في الصورة الأولى بكل قوته. الحبل الذي أغلق المكان صار ممرا إلى خارجه. ظل عمرهما كما هو، وبقي الأبناء غائبين، وبقي تشارلي بلا بصر. فتحا الحبل وخرجا معا.
بعد العرض بقيت أفكر في الوحدة أكثر من المسدس. تشارلي لا يرى، لكنه يملك صديقا يصف له شابين تحت شجرة حتى لو اضطر إلى اختراعهما. وماكس يرى، لكنه احتاج إلى تشارلي حين ضاق عليه سبب الاستمرار. عندما عدت إلى صورة النهاية، كان الحبل المفتوح أول ما حضر في ذاكرتي.












