
زمار الحي لا يطرب :المدعو صدفه نموذجا
“المدعو صدفة”… حين يأتي التقدير من بعيد
الشاهين الإخباري
كنت أتابع نتائج الدورة الرابعة من مهرجان المونودراما المسرحي، الذي أقيم ضمن فعاليات الدورة الأربعين من مهرجان جرش للثقافة والفنون، وتوقفت عند اسم البحرين أكثر من مرة.
مسرحية “المدعو صدفة” لم تعد من مشاركتها بجائزة واحدة يمكن أن تمر في خبر ثقافي ثم ننتقل إلى ما بعدها. عادت بأربع جوائز: أفضل عرض متكامل، وأفضل إخراج، وأفضل سينوغرافيا، إلى جانب جائزة لجنة التحكيم الخاصة في التمثيل للفنان كامل البوسعيدي. ولم يتوقف الحضور البحريني عند هذا الحد، فقد تقاسم الكاتب البحريني يوسف الحمدان جائزة أفضل نص مع الفنان السوري زيناتي قدسية عن مسرحية “سيد الخشبة“.
إنجاز كهذا جعلني أتوقع، بصورة تلقائية، أن يكون صداه في البحرين أكبر.
فالذين تابعوا إعلان النتائج في جرش رأوا اسم البحرين يعود أكثر من مرة. لم يكن حضورًا عابرًا لفرقة جاءت وشاركت ثم غادرت، بل نتيجة لافتة في مهرجان عربي، حصدت فيها المسرحية أكثر من جائزة وفي أكثر من عنصر من عناصر العرض، إلى جانب حضور بحريني آخر في جائزة النص.
بحثت بحكم متابعتي الصحفية عمّا كُتب بعد ذلك. كانت هناك تغطيات، وقرأت لفوزية بو رشيد إشادة واضحة بالإنجاز، كما احتفى مسرح الصواري بفنانيه.
لكن شيئًا ما بقي ناقصًا بالنسبة إليّ.
قد يكون فاتني احتفاء هنا أو مبادرة هناك، وهذه احتمالية أضعها في حسابي، لكن الصدى الذي وصلني ظل أقل من حجم النتيجة التي خرج بها الفريق من جرش.
وهذا ما أثار عندي التساؤل.
فالبحرين ليست جديدة على المسرح. من يتابع حضورها الثقافي يعرف أن لديها تجربة مسرحية تراكمت على مدى سنوات، وأن أسماء بحرينية استطاعت أن تكون حاضرة في مهرجانات عربية ودولية، كتابةً وإخراجًا وتمثيلًا.
ولهذا يصبح الإنجاز الأخير جديرًا باهتمام أكبر.
فالنجاح في مهرجان عربي لا يبدأ لحظة إعلان الجائزة. وراء العرض وقت طويل لا يراه الجمهور: بروفات، ومحاولات، وتفاصيل يعاد العمل عليها مرات، وقلق يرافق أي تجربة تدخل المنافسة وهي لا تعرف ماذا ينتظرها.
ثم تأتي لحظة إعلان النتائج.
أربع جوائز لـ”المدعو صدفة”، وحضور بحريني آخر في جائزة النص.
وفي رأيي، هذه ليست لحظة تخص أصحاب المسرحية وحدهم. عندما يصعد فنان بحريني إلى منصة في بلد عربي ويحمل جائزة باسم عمل جاء به من بلده، فإن جزءًا من المشهد الثقافي البحريني يصعد معه.
ومن هنا بدأت أفكر في مسألة أبعد قليلًا من “المدعو صدفة“.
لماذا ننتبه أحيانًا إلى مبدعينا بصورة أكبر بعدما يلفت الخارج أنظارنا إليهم؟
حدث هذا كثيرًا عربيًا. فنان يعمل سنوات، أو كاتب يقدم تجربته بهدوء، ثم تأتي جائزة من مهرجان أو مؤسسة خارج بلده، وفجأة يصبح الاسم الذي كان موجودًا أمامنا أكثر وضوحًا.
كأن الجائزة تجعلنا نعيد النظر إلى ما كنا نراه أصلًا.
وعندنا في الأردن نقول في المثل الشعبي: “زمار الحي ما بطرب”. وربما اختصر هذا المثل بجملة واحدة كل ما كنت أفكر فيه وأنا أتابع هذه الحكاية.
والمفارقة أن قيمة العمل كانت موجودة قبل الجائزة. الجائزة اكتشفتها أو اعترفت بها، لكنها لم تخلقها.
وهذا بالنسبة إليّ هو المعنى الأهم في الاحتفاء بالمبدع. ليست المسألة درعًا آخر يضاف إلى أربعة دروع، ولا صورة جديدة يحمل فيها الفنانون شهاداتهم. الاحتفاء الحقيقي هو أن يشعر صاحب التجربة بأن ما أنجزه دخل فعلًا في ذاكرة المشهد الذي ينتمي إليه، وأن الناس خارج دائرة المسرح الضيقة عرفوا أن شيئًا مهمًا حدث.
فالجوائز تنتهي مراسمها سريعًا، أما الإحساس بأن بلدك رأى ما صنعت فيبقى أطول.
وربما لهذا شعرت بشيء من العتاب وأنا أتابع ما حدث مع “المدعو صدفة“.
لأنني رأيت في جرش كيف حضر اسم البحرين عند إعلان النتائج، ثم بحثت بعد انتهاء المهرجان عن الصدى الذي سيأتي من هناك. كنت أتوقع أكثر.
ليس بالضرورة احتفالًا صاخبًا، وإنما اهتمامًا يوازي الجهد، وقراءة للعمل وللفريق الذي صنعه، ومساحة تجعل هذا الفوز يتجاوز حدود المسرحيين أنفسهم.
وفي النهاية، لا أظن أن السؤال يخص البحرين وحدها. نحن أمام عادة عربية أوسع تستحق أن نتوقف عندها: نحتفي كثيرًا بمن يعود إلينا مصحوبًا باعتراف الآخرين، بينما نكون أبطأ أحيانًا في اكتشاف قيمة من يعمل أمام أعيننا.
والأولى، ربما، أن نعرف قيمة مبدعينا قبل أن يخبرنا بها أحد.
وبقي اسم المسرحية يلاحقني وأنا أفكر في كل ذلك:
“المدعو صدفة“
هل كانت صدفة أن يأتي هذا العمل البحريني إلى جرش ويحصل على كل هذا التقدير، ثم يترك وراءه سؤالًا أبسط من الجوائز كلها:
هل انتبهنا إليه بما يكفي؟












