
الخير الذي لا ينتظر كاميرا.. في اليوم الدولي للعمل الخيري… حين يصبح العطاء جزءًا من أخلاق المجتمع لا مناسبة عابرة
الدكتور خالد السلامي
في مكان ما من هذا العالم، سيصل صباح اليوم دواء إلى مريض لا يعرف اسم من دفع ثمنه. وستدخل حقيبة مدرسية بيتًا لم يلتقِ أصحابه يومًا بمن اشتراها. وسيجد إنسان طعامًا على مائدته، أو مقعدًا في مدرسة، أو سقفًا يحمي أسرته، من دون أن يعرف من وقف في الطرف الآخر من الحكاية.
وربما هنا تكمن واحدة من أجمل صور الخير: أن يحدث شيء عظيم في حياة إنسان، من دون أن يعرف حتى اسم الذي صنعه.
في الخامس من سبتمبر من كل عام، يحتفي العالم باليوم الدولي للعمل الخيري. وفي العادة، تمتلئ المناسبات الدولية بالكلمات والصور والحملات والشعارات. لكن العمل الخيري تحديدًا يضعنا أمام سؤال أكبر من الاحتفال نفسه: هل أصبح الخير في حياتنا سلوكًا يوميًا، أم أننا ما زلنا نستدعيه فقط حين تقع الكارثة؟
فالخير الحقيقي لا يبدأ بعد الزلزال، ولا يولد مع صور الضحايا، ولا يحتاج دائمًا إلى مأساة حتى يتحرك. المجتمع الذي يفهم معنى العطاء هو المجتمع الذي يحاول أن يمنع الإنسان من السقوط قبل أن يبحث عمّن ينتشله.
وهنا يتغير مفهوم العمل الخيري بالكامل.
لم يعد الأمر مجرد ظرف مالي ينتقل من يد إلى أخرى. العمل الخيري الحديث يمكن أن يكون منحة تعليمية تغيّر مستقبل طالب، أو تدريبًا مهنيًا يمنح شابًا فرصة الاعتماد على نفسه، أو ساعة يقدمها طبيب، أو معرفة يشاركها خبير، أو وقتًا يمنحه متطوع لشخص مسن يعيش وحيدًا.
أحيانًا، تكون أغلى صدقة هي شيء لا يمكن وضعه في صندوق تبرعات.
الإمارات… حين تحولت قيمة العطاء إلى مؤسسة
في دولة الإمارات، ليس من الصعب أن نعثر على جذور هذه الفكرة. فالخير لم يدخل إلى المجتمع الإماراتي باعتباره مفهومًا حديثًا مستوردًا من أدبيات المسؤولية المجتمعية، بل كان حاضرًا في البيت والفريج والمجلس والبحر والصحراء، قبل أن تكون له مؤسسات ومنصات وحملات.
كان الجار يعرف حاجة جاره، والمسافر يجد من يؤويه، وصاحب الرزق يعرف أن في رزقه نصيبًا لغيره. ومع قيام الدولة تطورت هذه الروح من مبادرات اجتماعية بسيطة إلى منظومة إنسانية أكثر تنظيمًا واتساعًا، امتدت آثارها إلى خارج الحدود.
وذلك ربما هو أحد أهم التحولات في تجربة الإمارات: أن الخير لم يبقَ عاطفة فقط، بل أصبح مؤسسة.
وجود الجهات الخيرية، والأوقاف، وبرامج التطوع، والمبادرات الإنسانية، والأطر المنظمة لجمع التبرعات وتوجيهها، لا يقلل من الجانب الإنساني للعطاء، بل يحميه. لأن النية الطيبة وحدها لا تكفي دائمًا؛ فالخير أيضًا يحتاج إلى إدارة وشفافية ومعرفة بالمكان الذي يمكن أن يصنع فيه أكبر أثر.
فنحن لا نحتاج فقط إلى المزيد من المتبرعين، بل إلى المزيد من العطاء الذكي.
كم غيّرت… لا كم دفعت
لسنوات طويلة كان السؤال التقليدي في العمل الخيري هو: كم جمعنا؟
وربما حان الوقت لأن يكون السؤال: كم غيّرنا؟
قد تجمع مبادرة ملايين الدراهم، لكن القيمة الحقيقية لا توجد في الرقم المعلن، وإنما فيما حدث بعده. كم طفلًا عاد إلى المدرسة؟ كم أسرة أصبحت قادرة على الاعتماد على نفسها؟ كم مريضًا استعاد حياته؟ وكم شخصًا لم يعد يحتاج إلى المساعدة نفسها بعد عام؟
العمل الخيري الأكثر نضجًا ليس ذلك الذي يجعل المحتاج متعلقًا بالمساعدة إلى الأبد، بل الذي يحاول أن يصل به إلى اليوم الذي يستطيع فيه أن يقول: شكرًا… لم أعد بحاجة إليها.
هذه اللحظة يجب أن تكون أحد أهداف العمل الإنساني.
أن تتحول الصدقة إلى فرصة، والفرصة إلى قدرة، والقدرة إلى استقلال.
الخير في زمن الكاميرا
لكن للعطاء اليوم تحديًا جديدًا لم تعرفه الأجيال السابقة بهذه الصورة: نحن نعيش في زمن يستطيع فيه الإنسان أن يصنع الخير وأن يصنع محتوى عن الخير في اللحظة نفسها.
وهنا تصبح الحدود دقيقة.
لا مشكلة في أن نخبر الناس عن مبادرة جميلة كي نشجعهم على المشاركة. ولا عيب في أن تستخدم المؤسسات الإعلام للتعريف بعملها وزيادة أثره. لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الإنسان المحتاج مجرد خلفية للصورة، أو حين تصبح لحظة ضعفه مادة لإثبات كرم الآخرين.
كرامة الإنسان جزء من المساعدة التي نقدمها له.
فالأسرة المحتاجة ليست قصة تسويقية. والطفل الفقير ليس مشهدًا مؤثرًا. والمريض ليس وسيلة لجمع الإعجابات.
وربما يكون من أجمل أنواع العطاء ذلك الخير الذي يعرف صاحبه أنه حدث، ويعرف المستفيد أنه حدث، ولا يحتاج العالم كله إلى أن يعرف.
الخير لا يفقد قيمته عندما يظهر، لكنه يصبح أنبل عندما لا يكون الظهور هو غايته.
لست بحاجة إلى أن تكون ثريًا
ومن أكبر الأخطاء التي تحاصر مفهوم العمل الخيري اعتقاد البعض أنه مسؤولية الأغنياء وحدهم.
لكن ماذا يملك الطالب الذي لا يملك مالًا؟
يملك ساعتين يستطيع خلالهما تعليم طفل.
وماذا يملك المبرمج؟
ربما يستطيع تطوير أداة تساعد أصحاب الهمم.
وماذا يملك المحامي؟
يمكنه أن يقدم استشارة لمن لا يستطيع تحمل تكلفتها.
والمعلم يستطيع أن يعلّم، والطبيب يستطيع أن يداوي، والإعلامي يستطيع أن يسلط الضوء على قضية منسية، والشاب يستطيع أن يتطوع، وحتى الإنسان الذي لا يملك شيئًا تقريبًا يستطيع أحيانًا أن يمنح شخصًا آخر وقتًا أو اهتمامًا أو كلمة تحفظ له كرامته.
لسنا متساوين فيما نملك، لكننا جميعًا نملك شيئًا يمكن أن يُعطى.
وهذه ربما هي الديمقراطية الحقيقية للخير.
والشركات أيضًا عليها أن تعيد التفكير
حتى المؤسسات والشركات لم يعد يكفيها أن تضع كلمة «المسؤولية المجتمعية» في تقريرها السنوي، أو أن تنظم حملة موسمية ثم تلتقط صورة جماعية أمام شعار كبير.
المسؤولية المجتمعية الأعمق تبدأ من طريقة عمل المؤسسة نفسها.
كيف تعامل موظفيها؟ هل تمنح الشباب فرصتهم الأولى؟ هل تدعم أصحاب الهمم؟ هل تراعي البيئة؟ هل تفتح مساحة للعمل التطوعي؟ وهل تستخدم جزءًا من خبرتها ومواردها لحل مشكلة حقيقية في المجتمع؟
فالخير المؤسسي لا ينبغي أن يكون ما تفعله الشركة بعد أن تنتهي من عملها، بل يمكن أن يصبح جزءًا من الطريقة التي تعمل بها أصلًا.
يوم لمراجعة أنفسنا
لهذا قد يكون من الأفضل ألا نتعامل مع اليوم الدولي للعمل الخيري بوصفه يومًا للاحتفال بالخير الذي فعلناه، بل يومًا نسأل فيه عن الخير الذي ما زال بإمكاننا فعله.
من حولنا أشخاص قد لا يحتاجون إلى المال أصلًا.
قد يحتاج أحدهم إلى فرصة.
وآخر إلى وظيفة.
وثالث إلى شخص يسمعه.
وطالب إلى من يؤمن بقدرته.
ومسن إلى زيارة.
وأسرة إلى معرفة الطريق الصحيح للحصول على المساعدة.
هناك احتياجات لا تظهر في صور الكوارث، لكنها قادرة على تغيير مصير إنسان كامل.
وفي الإمارات، حيث أصبح العطاء جزءًا من الذاكرة الوطنية ومن صورة المجتمع عن نفسه، فإن التحدي القادم ربما ليس أن نحافظ فقط على حجم العمل الإنساني، وإنما أن نوسّع معنى الخير ذاته.
أن نعلّم أطفالنا أن التطوع ليس عقوبة مدرسية ولا عددًا من الساعات المطلوبة في ملف ما.
وأن نفهم أن مساعدة الإنسان لا تنتقص منه.
وأن نرى في المحتاج شريكًا في المجتمع لا رقمًا في قائمة المستفيدين.
وأن نتذكر أن بعض أعظم أعمال الخير ربما لن يعرف بها أحد.
فالعالم لا يصبح أكثر إنسانية لأن فيه عددًا أكبر من الأثرياء الذين يتبرعون، بل لأنه يضم عددًا أكبر من البشر الذين يشعرون بأن حياة الآخرين تعنيهم.
وحين يأتي يوم نستطيع فيه أن نرى إنسانًا يتألم، في مكان قريب أو بعيد، فلا يكون سؤالنا الأول: «ما علاقتي به؟» وإنما: «ماذا أستطيع أن أفعل؟»… عندها فقط يكون العمل الخيري قد تجاوز الصندوق والحملة والمناسبة الدولية، وأصبح ثقافة.
وربما هذا هو أجمل تعريف للخير:
أن تساعد إنسانًا لا تعرفه، لمجرد أنك تعرف شيئًا واحدًا عنه…
أنه إنسان.






