أقلام حرة

فلسطين في مواجهة التدمير: حضور ثقافي يتجدد في العالم

حسان البلعاوي

منذ 7 أكتوبر 2023، يتعرض قطاع غزة لعملية تدمير واسعة لم تقتصر آثارها على الخسائر البشرية، بل امتدت إلى معظم مقومات الحياة الفلسطينية: البيوت والمستشفيات والمدارس والجامعات والطرق وشبكات المياه والكهرباء، وصولاً إلى المكتبات والمراكز الثقافية ودور النشر والمساجد والكنائس والمواقع التاريخية والأثرية. وفي الضفة الغربية أيضاً، يتعرض التراث الفلسطيني لضغوط متزايدة، في سياق أوسع يتصل بالمكان والهوية والذاكرة والرواية التاريخية.

غزة… تدمير المكان ومقومات الحياة

تعطي معطيات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) صورة عن اتساع الدمار. ففي تقرير نشره في 7 أغسطس 2026، استناداً إلى تقييم بالأقمار الاصطناعية حتى 16 يونيو 2026، أشار إلى تضرر نحو 201 ألف مبنى ومنشأة، أي قرابة 82% من منشآت قطاع غزة، بينها أكثر من 134 ألف منشأة مدمرة، فضلاً عن تضرر نحو 329 ألف وحدة سكنية.

وفي قطاع التعليم، تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن نحو 93% من المباني المدرسية تحتاج إلى إعادة بناء كاملة أو ترميم كبير، إضافة إلى تدمير أكثر من 63 مبنى جامعياً. وهي خسارة لا تطال الأبنية وحدها، بل المؤسسات التي تحمل المعرفة وتؤمّن استمرار التعليم وتكوين الأجيال المقبلة.

المستشفيات… تدمير شروط البقاء

كان القطاع الصحي أحد أكثر القطاعات تضرراً. ففي ندائها للطوارئ الصحية لعام 2026، أفادت منظمة الصحة العالمية (WHO) بأن مستشفيات غزة الـ36 تعرضت جميعها لأضرار، وسجلت أكثر من 930 اعتداءً على الرعاية الصحية منذ أكتوبر 2023. وفي مايو 2026 أكدت المنظمة أنه لم يكن هناك مستشفى واحد في غزة يعمل بكامل طاقته.

وهكذا تداخل تدمير البيت والمدرسة والمستشفى والطريق وشبكات المياه والكهرباء، ليصيب مجمل البيئة التي يحتاجها المجتمع للاستمرار والحياة.

حين يصل الدمار إلى ذاكرة المكان

لم يتوقف الأمر عند البنية التحتية، بل امتد إلى الذاكرة التاريخية والثقافية لغزة. فقد وثقت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (UNESCO)، حتى 24 مارس 2026، أضراراً لحقت بـ164 موقعاً ثقافياً وتراثياً، بينها 14 موقعاً دينياً، و128 مبنى ذا قيمة تاريخية أو فنية، وثمانية مواقع أثرية، ومتحفان وتسعة معالم.

ومن المواقع المتضررة الجامع العمري الكبير، وقصر الباشا، ومركز رشاد الشوا الثقافي، وحمام السمرة، ومجمع كنيسة القديس برفيريوس، وميناء أنثيدون الأثري. وهي أماكن تختزن طبقات مختلفة من تاريخ غزة، ولذلك فإن تدميرها أو تضررها يتجاوز الحجر ليصيب جزءاً من الذاكرة الجماعية للمكان.

سبسطية… حين يصبح الأثر جزءاً من الصراع على الرواية

ولا تنحصر قضية التراث الفلسطيني في غزة. ففي سبسطية قرب نابلس في الضفة الغربية، دعت UNESCO في مايو 2025 إلى حماية الموقع الأثري والامتناع عن أي إجراءات يمكن أن تلحق الضرر به، بعد إبلاغ المنظمة بمشاريع بنية تحتية وأنشطة أثرية إسرائيلية جديدة في الموقع. وشددت على ضرورة احترام القانون الدولي، وعلى أن تتم الأعمال المتعلقة بالتراث بالتعاون مع الأطراف المعنية.

وتكتسب سبسطية أهمية خاصة لكونها مدرجة منذ عام 2012 على القائمة التمهيدية للتراث العالمي لدولة فلسطين، فضلاً عن كونها موقعاً يختزن طبقات حضارية متعاقبة. ولذلك فإن الجدل حولها لا يتعلق بحماية حجارة أثرية فقط، بل أيضاً بهوية المكان، ومن يملك حق حفظ تاريخه وتفسيره وتقديمه إلى العالم. وفي هذا المعنى، تصبح حماية التراث جزءاً من حماية الرواية الفلسطينية نفسها، في غزة كما في الضفة الغربية.

المثقفون… حين تبقى الكلمة بعد رحيل أصحابها

طالت الخسارة كذلك الأشخاص الذين يصنعون الثقافة ويحفظون الذاكرة. فقد وثقت PEN America، حتى يونيو 2025، مقتل ما لا يقل عن 151 شخصية ثقافية فلسطينية منذ أكتوبر 2023، بينهم كتّاب وشعراء وفنانون ومخرجون ومسرحيون ومترجمون وباحثون وموسيقيون ومؤرخون، إلى جانب أكاديميين وأساتذة جامعات.

ومن بين الأصوات الأدبية التي فقدتها فلسطين الشاعر والكاتب والأكاديمي رفعت العرعير، والشاعرة والروائية هبة أبو ندى، والشاعر والكاتب عمر أبو شاويش، وجميعهم من غزة، إلى جانب أسماء أخرى من المبدعين الفلسطينيين. لكن رحيل الشاعر لا يعني بالضرورة رحيل القصيدة؛ فقد واصلت نصوص هؤلاء الانتشار والنشر والقراءة، وعبرت إلى لغات وثقافات أخرى.

ومن أبرز المبادرات في هذا المجال كتاب «فليأتِ موتي بالأمل – قصائد من غزة» (Que ma mort apporte l’espoir. Poèmes de Gaza)، الصادر عام 2024 عن دار Libertalia ضمن مجموعة Orient XXI. تولت الكاتبة والمترجمة والدبلوماسية الفرنسية السابقة ندى يافي اختيار النصوص وترجمتها إلى الفرنسية وتقديمها، فيما كتب الكاتب الفلسطيني كريم قطّان خاتمة الكتاب. ويجمع الكتاب، في طبعة ثنائية اللغة العربية والفرنسية، نحو خمسين نصاً لشاعرات وشعراء فلسطينيين من غزة، واستُلهم عنوانه من قصيدة رفعت العرعير الأخيرة.

كما ترجمت ندى يافي إلى الفرنسية ديوان الشاعرة الفلسطينية من غزة هند جودة، «شاعرة في زمن الحرب» (Une poétesse en temps de guerre)، الصادر عام 2025 عن دار L’Harmattan في طبعة عربية-فرنسية.

وهنا تكتسب الترجمة معنى يتجاوز نقل الكلمات من لغة إلى أخرى؛ فهي تمنح النص حياة جديدة ومساحة جديدة للانتشار. فحين يُقتل شاعر أو يفقد بيته ومدينته، تستطيع قصيدته أن تعبر الحدود، وأن تُقرأ بلغة أخرى وأمام جمهور لم يكن يعرف صاحبها من قبل. وهكذا تصبح الترجمة والنشر والقراءات العامة شكلاً من أشكال حفظ الذاكرة الفلسطينية ومقاومة النسيان.

الصحفيون… خسارة الشاهد والصورة

ودفع الصحفيون الفلسطينيون ثمناً بالغاً. فبحسب الاتحاد الدولي للصحفيين (IFJ) ونقابة الصحفيين الفلسطينيين (PJS)، قُتل ما لا يقل عن 240 صحفياً وعاملاً في الإعلام الفلسطيني في غزة منذ بداية الحرب وحتى أغسطس 2026، وهو رقم أعاد الاتحاد الدولي للصحفيين تأكيده في 7 سبتمبر 2026.

ولا تتعلق هذه الخسارة بالأعداد وحدها؛ فالصحفي والمصور والمراسل هم أيضاً شهود على الحدث وحَمَلة لذاكرته، ومن خلال الكلمة والصورة انتقلت تفاصيل ما يجري في غزة إلى العالم.

في مواجهة المحو… إنقاذ الوثيقة والذاكرة

وفي مقابل هذا الدمار، تتواصل جهود فلسطينية لحماية الذاكرة من الضياع. ومن أحدث الأمثلة منح UNESCO في سبتمبر 2026 جائزة UNESCO/Jikji Memory of the World Prize للباحثين الفلسطينيين عبد اللطيف هاشم وحنين العمصي، تقديراً لجهودهما في حماية التراث الوثائقي في غزة ورقمنة مجموعات مهمة والمحافظة عليها في ظروف بالغة الصعوبة.

وتحمل هذه المبادرة معنى يتجاوز الجائزة نفسها: ففي الوقت الذي تتعرض فيه المكتبات والأرشيفات والمراكز الثقافية للخطر، يعمل فلسطينيون على إنقاذ المخطوط والوثيقة والصورة، أي أجزاء من الذاكرة الجماعية الفلسطينية.

السينما… حين تروي غزة حكايتها بنفسها

وفي السينما، يتواصل الحضور الفلسطيني بقوة. فقد أطلق المخرج الفلسطيني من غزة رشيد مشهراوي مشروع «من المسافة صفر» (From Ground Zero)، الذي جمع 22 فيلماً قصيراً أنجزها 22 سينمائياً فلسطينياً من غزة خلال الحرب، وتنوعت بين الفيلم الروائي والوثائقي والتحريك والسينما التجريبية.

وتكمن أهمية المشروع في أنه لم يجعل غزة مجرد موضوع تصوره كاميرات قادمة من الخارج؛ بل أعطى الكاميرا إلى مخرجين ومخرجات يعيشون التجربة بأنفسهم، ليقدموا تفاصيل الحياة اليومية والحرب والخوف والفقدان، ولكن أيضاً الحب والأمل والرغبة في الحياة. وبذلك تصبح غزة صاحبة الصورة والصوت والرواية في آن واحد.

وفي الإنتاج العربي والدولي، برز فيلم «صوت هند رجب» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، الذي يستعيد قصة الطفلة الفلسطينية هند رجب ومحاولات الوصول إليها وإنقاذها. وحقق الفيلم حضوراً دولياً واسعاً، وحصل في مهرجان البندقية السينمائي عام 2025 على الأسد الفضي – الجائزة الكبرى للجنة التحكيم.

وهذان العملان مثالان ضمن حضور أوسع لفلسطين في المهرجانات السينمائية الدولية، سواء بأعمال يصنعها فلسطينيون أو بإنتاجات عربية ودولية تتناول فلسطين وتجربتها الإنسانية.

خمسة آلاف عام من غزة في قلب باريس

وحضرت غزة أيضاً من خلال تاريخها وآثارها. فقد احتضن معهد العالم العربي في باريس (Institut du monde arabe)، من أبريل إلى ديسمبر 2025، معرض «كنوز غزة المنقذة: خمسة آلاف عام من التاريخ»، مقدماً مجموعة أثرية فلسطينية تضم نحو 529 قطعة محفوظة منذ عام 2007 في متحف الفن والتاريخ في جنيف.

وتعود هذه القطع إلى مراحل تمتد من العصر البرونزي حتى الحقبة العثمانية. وفي وقت ارتبطت فيه صورة غزة في وسائل الإعلام بالدمار والحرب، أعاد المعرض تقديمها إلى الجمهور باعتبارها أيضاً مدينة ذات آلاف السنين من التاريخ والحضارة والتفاعل مع العالم.

فلسطين تبدع وتعيد إنتاج حضورها

أمام هذا المشهد، تتبلور صورة أخرى موازية: فلسطين التي تتعرض للتدمير هي نفسها فلسطين التي تنتج الثقافة وتعيد إنتاج حضورها كل يوم. فهي حاضرة في الرواية والشعر والسينما والموسيقى والفن التشكيلي والتصوير والمعارض والمهرجانات، وفي مشاريع حفظ المخطوطات والأرشيف والآثار.

وهذا الحضور لا يصنعه الفلسطينيون وحدهم؛ فإلى جانب الإنتاج الفلسطيني، تتزايد أعمال كتّاب ومخرجين وفنانين وباحثين عرب وأوروبيين وأميركيين ومن جنسيات مختلفة عن فلسطين. ومن غزة والضفة الغربية إلى باريس وجنيف والبندقية وغيرها، تتحول فلسطين من موضوع للخبر السياسي والعسكري إلى حضور ثقافي وإنساني عالمي.

فالقصيدة الفلسطينية تُترجم إلى الفرنسية، والفيلم الفلسطيني ينتقل بين المهرجانات، والقطعة الأثرية القادمة من غزة تُعرض أمام جمهور دولي، والكتاب الفلسطيني يجد قارئاً جديداً في لغة أخرى. وفي مقابل محاولات تدمير المكان، تتسع المساحات التي تستطيع فيها الذاكرة الفلسطينية أن تعيش وتتحرك وتتجدد.

«ليبيراسيون»… فلسطين والشرق الأوسط عبر السطور

ضمن هذا الحضور المتزايد يأتي الملف الذي خصصته صحيفة «ليبيراسيون» الفرنسية، إحدى كبريات الصحف الفرنسية، في عدد عطلة نهاية الأسبوع يومي 19 و20 سبتمبر 2026، لمجموعة من الإصدارات الأدبية الجديدة حول فلسطين والشرق الأوسط، تحت عنوان «الشرق الأوسط عبر السطور». أعدّت الملف الصحافية ألكسندرا شفارتزبرو بمشاركة فريديريك فانشيت.

واختارت الصحيفة ستة أعمال تتنوع بين الرواية والسرد والشعر والرواية المصورة، لكنها تتقاطع عند فلسطين والذاكرة والنكبة والحرب والمنفى والحدود والبيت المهدد بالفقدان. وهي أعمال لا تكتفي بوصف الدمار، وإنما تحاول أيضاً استعادة الأشخاص والأمكنة والحياة التي كانت قائمة «قبل الركام».

تبدأ «ليبيراسيون» بالكاتب الفلسطيني من بيت لحم كريم قطّان وروايته Septentrionale، حيث تتحول رحلة بطله جوزيف عبر بلد يتداعى إلى تأمل في الحرب والحدود والحب والرحيل والخوف من فقدان المكان.

ثم تقدم الكاتبة الفرنسية-السويسرية ذات الأصول الكورية إليزا شوا دوسابان وكتابها Sauf la frontière، الذي ينطلق من بيروت في أكتوبر 2023، قبل أن يقود صاحبته إلى الأردن وفلسطين، في رحلة تقوم على اللقاء والإصغاء ومحاولة فهم البشر خلف الحدود والحرب.

ويستعيد الكاتب الفرنسي-اللبناني جاد هلال في Ici commence la terre قصة جدته عايدة التي اضطرت عام 1948 إلى مغادرة قريتها الفلسطينية واللجوء إلى بيروت، لتتحول النكبة من حدث تاريخي إلى ذاكرة عائلية تنتقل بين الأجيال.

أما الكاتبة والصحافية الفلسطينية ابتسام عازم، فتبني كتاب الاختفاء على فرضية اختفاء الفلسطينيين فجأة، ليكشف هذا الغياب المتخيل، على العكس، عمق حضورهم في المكان، ويعيد إلى الواجهة يافا وذاكرتها ونكبة 1948.

وتنتقل الصحيفة إلى غزة مباشرة مع Requiem pour Gaza للصحافي والكاتب الأميركي كريس هيدجز ورسّام القصص المصورة والصحافي الأميركي من أصل مالطي جو ساكو. يقوم العمل على شهادات فلسطينيين خرجوا من غزة إلى القاهرة، ويجمع بين النص والرسم لتقديم قصص القصف والجوع والنزوح والخوف ومحاولات النجاة، وإعادة الوجوه والأسماء إلى أشخاص قد يتحولون في نشرات الحرب إلى مجرد أرقام.

ويُختتم الملف بصوت من جيل فلسطيني شاب، هو صوت الشاعرة الفلسطينية من غزة نور العسّي ومجموعتها Ceci est ma maison. فالبيت في شعرها ليس مجرد جدران، وإنما غزة والأرض والعائلة والحب والبحر والذاكرة، فيما يصبح الشعر وسيلة للاحتفاظ بالمكان في مواجهة المنفى والخوف من فقدانه.

حين تبقى الذاكرة بعد الركام

تكمن أهمية ملف «ليبيراسيون» في أنه جزء من مشهد ثقافي أوسع يتنامى حول فلسطين في فرنسا والعالم. فالصحف ودور النشر والمهرجانات والمؤسسات الثقافية تخصص مساحات متزايدة للرواية والشعر والسينما والفن الفلسطيني، أو للأعمال العربية والدولية التي تتناول فلسطين.

وفي الوقت الذي تتعرض فيه غزة لخسارة إنسانية وعمرانية وثقافية هائلة، ويتعرض التراث الفلسطيني في الضفة الغربية، ومنه سبسطية، لضغوط وصراعات حول المكان والهوية والرواية، تتسع في المقابل مساحة فلسطين في الثقافة العالمية.

فالبيت قد يُهدم، والمكتبة قد تُدمّر، والموقع الأثري قد يتعرض للخطر، وقد يرحل الشاعر أو الفنان أو الصحفي، لكن الذاكرة تستطيع أن تستمر في كتاب وقصيدة وترجمة وفيلم وصورة ومخطوط ومعرض. والترجمة، بصورة خاصة، تمنح النص الفلسطيني حياة أخرى: تنقله من لغته الأولى إلى قارئ جديد، ومن مكان محاصر إلى فضاء أوسع، ومن تجربة فردية إلى ذاكرة إنسانية مشتركة.

زر الذهاب إلى الأعلى