
الاستقالة لا تُغلق ملف المسؤولية
الشاهين الإخباري – المهندس عبدالله أمجد أبو زيد
في كل مرة تظهر فيها قضية تتعلق بتقصير مسؤول، أو خلل في إدارة مؤسسة عامة، أو شبهة تمس المال العام، يتكرر أمامنا مشهد أصبح مألوفاً: استقالة المسؤول أو إقالته، ثم تهدأ الضجة وينتهي الأمر عند هذا الحد.
وهنا تحديداً أعتقد أننا بحاجة إلى التوقف قليلاً.
ليس لأن كل استقالة تعني أن هناك فساداً، وليس لأن كل مسؤول يغادر منصبه يجب أن يكون متهماً. لكن لأن مغادرة المنصب شيء، وتحمل المسؤولية عن القرارات والأفعال شيء آخر.
قد تكون الاستقالة موقفاً سياسياً، وقد تكون تحملاً للمسؤولية عن إخفاق إداري، وقد تكون قراراً تتخذه الحكومة أو الجهة المعنية لإعادة ترتيب المسؤوليات. وكل ذلك مفهوم في العمل العام.
لكن عندما تكون هناك شبهة تتعلق بهدر المال العام، أو إساءة استعمال السلطة، أو مخالفة للقانون، أو تقصير ترتب عليه ضرر، فلا أعتقد أن قبول الاستقالة يجب أن يكون نهاية القصة.
ببساطة، لأن المسؤول عندما كان في موقعه لم يكن يدير شأناً خاصاً به، وإنما كان يتعامل مع مؤسسة وموارد وقرارات تمس الناس والمصلحة العامة.
ومن هنا يجب أن نفرق بين أمرين كثيراً ما نخلط بينهما: المسؤولية السياسية والمسؤولية القانونية.
قد يتحمل الوزير أو المسؤول مسؤولية سياسية عن فشل أو إخفاق في ملف معين، فيستقيل أو يُقال من منصبه، وتنتهي هنا مسؤوليته السياسية. لكن إذا كانت هناك وقائع تستوجب التحقيق من الناحية القانونية، فإن ترك المنصب لا يلغي الحاجة إلى التحقيق ولا يمنح حصانة بأثر رجعي.
وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول كلمة “شبهة” إلى حكم مسبق على أي شخص.
فالتحقيق ليس إدانة، والإحالة ليست حكماً، والحكم في النهاية للقضاء عندما تكون القضية من اختصاصه.
وهذا هو جوهر دولة القانون: أن نطالب بالمحاسبة من دون أن نطالب بإدانة أحد قبل أن تثبت مسؤوليته.
القانون الأردني وضع أطرًا واضحة للتعامل مع أفعال الفساد والاعتداء على المال العام وإساءة استعمال السلطة، كما أن هناك جهات رقابية وقضائية مختصة يمكنها التعامل مع الملفات التي تستوجب التحقيق والإحالة.
لذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يشغل الرأي العام بعد استقالة مسؤول لا ينبغي أن يكون فقط: لماذا استقال؟
بل أيضاً:
ماذا حدث للملف بعد ذلك؟
هل تمت مراجعة القرارات التي اتخذت؟
هل جرى تحديد المسؤوليات؟
هل كانت هناك مخالفات تستوجب الإحالة إلى الجهات المختصة؟
وإذا ثبت وجود هدر للمال العام، هل تمت معالجة آثاره واسترداد ما يمكن استرداده؟
هذه ليست أسئلة للانتقام من المسؤول، وليست محاولة لتصفية حسابات سياسية. على العكس، هي أسئلة طبيعية في أي دولة تريد أن تبني ثقة حقيقية بين المواطن ومؤسساتها.
وأعتقد أن المشكلة لا تكمن فقط في استقالة المسؤول، وإنما في أن تتحول الاستقالة أحياناً إلى نهاية مريحة للجميع: المسؤول يغادر، والجهة الرسمية تقول إن المسؤول تحمل تبعات ما حدث، والناس تنشغل بقضية جديدة، بينما تبقى الأسئلة الأساسية بلا إجابة.
إذا كان المسؤول بريئاً، فليثبت ذلك التحقيق والقضاء.
وإذا كان هناك خطأ إداري، فليتم تحديده وتصحيحه.
وإذا كانت هناك مخالفة قانونية، فلتأخذ العدالة مجراها.
وإذا كان هناك فساد أو هدر للمال العام، فلا يكفي أن نغير اسم المسؤول في المكتب ونعتبر أن المشكلة انتهت.
الدولة لا تقوى بتغيير الأشخاص فقط، وإنما بقدرتها على معرفة أين حدث الخطأ، ولماذا حدث، ومن يتحمل مسؤوليته، وكيف نمنع تكراره.
وهنا تحديداً تأتي أهمية المحاسبة.
المحاسبة ليست انتقاماً، وليست تشفياً، وليست رغبة في إسقاط الأشخاص. المحاسبة الحقيقية هي واحدة من الأدوات التي تحمي المؤسسات نفسها، لأنها تعطي كل مسؤول رسالة واضحة: المنصب العام ليس امتيازاً، والقرار العام له تبعات، والمال العام ليس ملكاً لمن يشغل المنصب.
وفي المقابل، فإن المحاسبة العادلة تحمي المسؤول أيضاً من الظلم؛ لأنها تمنع أن تتحول مواقع التواصل أو الرأي العام إلى محكمة تصدر أحكامها قبل اكتمال التحقيق.
نحن بحاجة إلى هذه المعادلة المتوازنة.
لا حصانة بسبب المنصب، ولا إدانة بسبب الشبهة.
لا يكفي أن نستقيل من المنصب إذا كانت هناك مسؤولية قانونية تستوجب التحقيق، وفي الوقت نفسه لا يجوز أن نعتبر كل استقالة دليلاً على وجود فساد.
المطلوب ببساطة هو أن يأخذ كل مسار حقه: المسؤولية السياسية في مكانها، والإدارية في مكانها، والقانونية أمام الجهات المختصة، والقضائية أمام القضاء.
وفي النهاية، فإن المال العام ليس مال حكومة أو وزير أو مدير، وإنما هو مال المجتمع كله. وكل دينار يُهدر أو قرار يُتخذ دون وجه حق هو في النهاية جزء من ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها.
لهذا أعتقد أن علينا أن ننتقل من ثقافة السؤال: “هل استقال المسؤول؟” إلى سؤال أكثر أهمية: “هل عُرفت الحقيقة؟”
فالاستقالة قد تنهي علاقة الإنسان بمنصبه، لكنها لا يجب أن تنهي حق المجتمع في معرفة ما حدث.
نحن لا نحتاج إلى التشهير بأحد، ولا إلى إصدار أحكام مسبقة، ولا إلى تحويل كل قضية إلى معركة سياسية.
نحتاج فقط إلى شيء أبسط وأعمق:
أن يكون القانون فوق الجميع، وأن تكون المسؤولية بحجم المنصب، وأن لا تكون الاستقالة هي آخر سطر في ملف ما زالت الحقيقة فيه بحاجة إلى إجابة.






