أقلام حرةصيد الشاهين

دير بالك على سيارتي..

داود شاهين

بدايةً، هذا المقال موجه إلى كل موظف دولة جُعلت تحت يديه مركبة حكومية.. تلك السيارات التي تحمل “اللوحات الحمراء” ليستعملها لغايات الوظيفة الرسمية ولم تكن يوماً ملكاً شخصياً ولا غنيمة تُستباح، بل هي أمانة وطنية خالصة، ومملوكة للشعب الأردني بأكمله من شماله إلى جنوبّه، ومن شرقِه إلى غربِه. لقد دُفعت أثمان هذه المركبات، وصُرفت تكاليف صيانتها من عرق هذا المواطن الصابر ومن أموال الخزينة العامة، لتكون أداة تخدم الصالح العام وتسهل تقديم الخدمات للمواطنين بأعلى كفاءة ومسؤولية، لا لكي تتحول إلى سيارات عائلية تُقضى بها مشاوير النزهة والتسوق خارج أوقات الدوام الرسمي.

إن من المؤسف حقاً أن ينسى بعض مستخدمي هذه المركبات أن صفتهم الوظيفية هي “تكليف للخدمة” “،. وليست “تشريفاً للتعالي  فمن غير المقبول أن يعتقد أحدهم أنه فوق القانون، أو أن اللوحة الحمراء تمنحه حصانة وهمية لارتكاب المخالفات، والقيادة المتهورة، والاصطفاف المعاكس، والتعجرف على المواطنين في الشوارع. فكأن هؤلاء قد نسوا أن الكرسي الذي يجلسون عليه والمقود الذي يمسكون به هما هبة من الشعب ولأجل الشعب، لا سيفاً يلوحون به في وجوه دافعي الضرائب الذين يكابدون ليعيشوا بكرامة.

إن هذا السلوك المشين يمثل سقوطاً أخلاقياً صارخاً قبل أن يكون تجاوزاً قانونياً، وتحولاً خطيراً من موقع “خادم الوطن” إلى موقع “المتطاول على كرامته”. فالقانون الحقيقي والعادل لا يميّز بين رداء رسمي ومواطن بسيط، وكل استعراض أجوف بقوة النفوذ الوظيفي ما هو إلا عنوان فاضح لفساد الضمير وانعدام الإحساس بالمسؤولية الوطنية.

ولذا، فإن السكوت على هذه الممارسات الشاذة لم يعد ترفاً مقبولاً، ولن تقبل الجماهير بعد اليوم أن تُنتهك حقوقها بأموالها وبمركبات دُفعت أثمانها من قوت أبنائها. مقدرات الدولة ليست غنيمة موزعة على دفاتر الحصانة الوهمية، والسيارة الحكومية ليست مضماراً للاستعراض أو وسيلة للاستئساد. لقد حان الوقت لتسقط كل الأقنعة وترفع الحصانات المزيفة عن كل متطاول، فمن لا يحترم عرق هذا الشعب ومقدراته، لا مكان له في معادلة بناء الدولة ومؤسساتها، وليعلم الجميع أن كرامة المواطن خط أحمر، وأن يد القانون يجب أن تبقى هي العليا بلا منازع.

وإن هذه التجاوزات الفجة تأتي في تحدٍ سافر وصريح لتعاميم رئاسة الوزراء الصارمة والبلاغات المتكررة التي حظرت نهائياً استخدام المركبات الحكومية خارج أوقات الدوام الرسمي، وقصرت تخصيصها حصرياً للمهام المؤسسية الرسمية، متوعدةً كل مخالف بأشد العقوبات. لكن المؤسف حقاً أن تظل تلك التعاميم حبراً على ورق في مهب الاستهتار الإداري، وكأن القرارات السيادية العليا لا تعني أولئك العابثين الذين استمرؤوا خرق القوانين وتجاوز الخطوط الحمراء، غير مكترثين بأن هيبة الدولة تبدأ باحترام قراراتها، وأن الالتزام بالأنظمة ليس خياراً بل هو الواجب الأتم لكل من حمل أمانة المسؤولية.

إننا اليوم أمام اختبار حقيقي لمدى جديّة المؤسسات في تطهير صفوفها من العابثين والمستهترين؛ فإما أن يُعاد الاعتبار لهيبة القانون ويُحاسب كل من تسول له نفسه استباحة مقدرات الدولة، وإما أن يستمر هذا النزيف الإداري والأخلاقي على حساب الوطن والمواطن. والمواطن الذي يرى سيارات الدولة تُستغل في غير مخصصاتها، ويرى من يحمل أمانة الخدمة يتحول إلى عبء عليها، لن يرضى بأقل من إجراءات حاسمة وعلنية تضع الأمور في نصابها الصحيح. فالوطن أكبر من الجميع، ولن تظل مقدراته مستباحة لمن لا يدرك قيمتها ولا يقدر عِظم الأمانة الملقاة على عاتقه.

حمى الله الأردن و الأردنيين

زر الذهاب إلى الأعلى