أقلام حرة

خطاب الكراهية: الوقاية قبل العلاج من أين نبدأ؟

عبيدة يوسف عبده

ما نراه اليوم على منصات التواصل الاجتماعي هو في جانب كبير منه انعكاس لسلوكيات موجودة في المجتمعات، انتقلت إلى المنصات الرقمية، حيث أصبحت أسرع انتشارا وأوسع تأثيرا، وأحيانا أكثر حدة بسبب الشعور بإمكانية الاختباء خلف الحسابات الوهمية.
وقد يجد الإنسان نفسه، لمجرد التعبير عن رأيه في قضية عامة، أمام ردود لا تناقش الفكرة، بل تستهدف شخصه بالإساءة والتجريح، جعلتني أتساءل: كيف نرسخ ثقافة الاحترام على منصات التواصل، إذا لم نؤسس لهذه الثقافة و تعديل الاتجاهات ايجابيا في الحياة اليومية؟
والأخطر أن خطاب الكراهية لا يقتصر على الإساءة الشخصية، بل قد يتحول إلى مدخل لنشر التعصب والتطرف، وغسل الأدمغة من خلال محتوى رقمي يستهدف الشباب واليافعين من الخارج، ويؤثر تدريجيا في قناعاتهم وانتماءاتهم، ويغذي رفض الآخر والإقصاء.
فمن أين نبدأ؟
أولا، بالحوار البناء بين أطراف الأسرة،وتربية الأبناء على الاحترام والتسامح والقيم ومتابعتهم بحب و احتواء، ونبذ كل أشكال العنف الأسري.
ثانيا، من المدرسة والمناهج التعليمية، من خلال إدخال مادة الأخلاق والقيم الإنسانية في السنوات الدراسية الأولى، ومواد المنطق والفلسفة وعلم النفس في سنوات دراسية لاحقة. وإعادة الاهتمام بمواد الفن والموسيقى والرياضة ومتابعة ممارستها فعليا ، إلى جانب تفعيل الأنشطة الكشفية وإلزامية المشاركة فيها للطلاب والطالبات. فالكشافة تصقل الشخصية، وتنمي الاحترام والصبر والتعاون والانضباط وضبط الانفعالات وتحمل المسؤولية.
ثالثا، من المؤسسات الدينية بدورها المهم في نشر المحبة والرحمة والطمأنينة وأخلاق الأديان، وتعزيز التسامح واحترام كرامة الإنسان.
رابعا، المؤسسات الاعلامية، بتعزيز خطاب اعلامي وصحفي مسؤول والحصول على المعلومات من مصادرها الموثوقة ،ومناقشة الأفكار وإيجاد الحلول، بدلا من مهاجمة الأشخاص، والابتعاد عن المعلومة غير الدقيقة ولغة التعميم أو التشكيك.
خامسا، منصات التواصل الاجتماعي، بتعزيز التربية الرقمية التي تساعد الشباب على كشف التضليل والاستقطاب والتجنيد الفكري والتبليغ الفوري عنه بتطوير آليات الإبلاغ عن المحتوى المسيء والتحريضي، والحد من انتشاره.
سادسا، القانون، ففي الأردن يشكل قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023 إطارا مهما للمعاقبة على الأفعال المرتبطة بالتحريض على الكراهية والإضرار بالسلم المجتمعي.
إن مواجهة خطاب الكراهية لا ينبغي أن تقتصر على رد الفعل بعد وقوع الإساءة، بل أن تقوم على منظومة وقائية تبدأ ببناء الإنسان، وتحصين العقول، وتعزيز التفكير النقدي، وترسيخ قيم المواطنة والانتماء والاحترام.
فحماية المجتمعات لا تبدأ بعد انتشار خطاب الكراهية أو تسلل التطرف إلى عقول أبنائه، بل تبدأ بالوقاية قبل العلاج، وبناء جيل يحترم كرامة الإنسان، ومنعة وأمن الوطن .

زر الذهاب إلى الأعلى