واحة الثقافة

مشروع “أردننا في عيوننا” والسردية البصرية الوطنية

الشاهين الإخباري – دعاء مأمون

ينطلق مشروع “أردننا في عيوننا: من الهواية إلى الاحتراف” من فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها أوسع من تعليم التصوير نفسه: الصورة يمكن أن تحفظ ما يتغير من حولنا، وأن تصبح جزءا من ذاكرة المكان لا مجرد لقطة جميلة.

المشروع، المدعوم من وزارة الثقافة، أسسه ويشرف على تدريبه المصور سامي الزعبي، ويتجه إلى توثيق جوانب من الموروث الحضاري والاجتماعي والأثري والطبيعي في الأردن من خلال الشباب أنفسهم. لذلك لا يتوقف التدريب عند استخدام الكاميرا، بل يمتد إلى فهم ما يستحق أن يوثق، وما الذي يمكن أن تقوله الصورة عن المكان بعد سنوات.

هذه النقطة تحديدا هي ما يمنح المشروع قيمته. فنحن نعيش في زمن نصور فيه كل شيء تقريبا، لكن كثرة الصور لا تعني أن لدينا ذاكرة بصرية حقيقية. كثير مما ينشر اليوم يختفي بسرعة، بينما يمكن لصورة واحدة التقطت بوعي أن تبقى شاهدا على مبنى تغير، أو حرفة تراجعت، أو جزء من حياة الناس لم يعد موجودا بالصورة نفسها.

ومن هنا تأتي علاقة المشروع بما يمكن تسميته السردية البصرية الأردنية.

فالأردن لا يختصر في موقع أثري معروف أو مشهد سياحي متكرر. صورته تتكون أيضا من تفاصيل الحياة اليومية، ومن العمارة القديمة، والحرف، والطبيعة، وأماكن العبادة، والأسواق، والقرى، والناس الذين يشكلون هوية المكان.

في مادبا مثلا، لا تنفصل الفسيفساء عن النسيج الاجتماعي والديني للمدينة، ولذلك امتد التوثيق إلى المساجد والكنائس والمؤسسات المحلية، ومنها جمعية الشابات المسيحية. وفي السلط والفحيص وماحص تحضر العمارة القديمة وتفاصيل المدن والبلدات، بينما تمنح جرش وعجلون والطفيلة والمغطس المشروع مساحات مختلفة تماما من حيث التاريخ والطبيعة والجغرافيا.

وهذا التنوع مهم لأنه يمنع المشروع من الوقوع في صورة واحدة جاهزة للأردن.

فالتصوير في عجلون لا يشبه الطفيلة، والسلط لا تشبه جرش، ومادبا تحمل في تكوينها الاجتماعي والتاريخي ما يختلف عن غيرها. كل محافظة تفرض على المتدرب أن ينظر بطريقة مختلفة، وهذا في حد ذاته جزء من التدريب.

حتى الطبيعة لا تقدم كخلفية للصورة. توثيق محميات عجلون، وأودية الطفيلة، ومشاريف البلقاء والمغطس، يضيف بعدا آخر لفهم الجغرافيا الأردنية وما تحمله من اختلاف في التضاريس والمناخ والضوء والبيئة.

وبعد خمس محطات، وصل عدد خريجي المشروع إلى 199 خريجا وخريجة.

بدأت المحطة الأولى في عجلون وخرج منها 43 مشاركا، وركزت على الطبيعة والموروث الأثري. وفي مادبا بلغ العدد 48، مع اهتمام بالفسيفساء والتنوع الديني والاجتماعي. أما الطفيلة فخرجت 23 مشاركا، وكان للمشهد الجبلي والبيئة المحلية حضور واضح في موضوع التدريب.

وفي جرش، وهي المحطة الرابعة، بلغ عدد الخريجين 57، وجمع البرنامج بين توثيق الموروث التاريخي وبعض الأنشطة الثقافية، ومنها حضور معرض الكتاب في مكة مول والدروس النظرية في المركز الثقافي الملكي.

ثم جاءت محطة البلقاء بـ28 خريجا وخريجة، وشملت الجولات السلط والفحيص وماحص والمغطس.

الأرقام هنا مهمة، لكنها ليست كل القصة. وجود هذا العدد من الشباب موزعين بين المحافظات يعني، نظريا على الأقل، وجود عشرات الأشخاص الذين أصبحوا أكثر قدرة على توثيق مناطقهم من الداخل، لا بوصفهم زوارا يمرون بالمكان، بل أبناء بيئة يعرفون تفاصيلها.

وهذه واحدة من الأفكار التي يمكن تطويرها مستقبلا في المشروع. فالمتدرب لا يجب أن تنتهي علاقته بالتوثيق بانتهاء الدورة. القيمة الأكبر ستكون في استمرار هذه العدسات في تسجيل ما يحدث في المحافظات مع الوقت.

فالتحولات الكبيرة ننتبه إليها عادة، أما الصغيرة فتمر من دون أن نشعر بها. محل يغلق، حرفة تقل، بيت قديم يهدم، شخصية محلية ترحل، أو عادة تتغير. بعد سنوات تصبح هذه التفاصيل هي ما نبحث عنه في الصور القديمة.

ومع المحطة السادسة ينتقل المشروع إلى العاصمة عمان، في المركز الثقافي الملكي. وقد بلغ عدد طلبات الالتحاق 560 طلبا، وهو أعلى مستوى إقبال يسجله المشروع منذ انطلاقه.

هذا الرقم يشير إلى اتساع الاهتمام بالمبادرة، لكنه يضع أمامها تحديا أيضا. كل مشروع يكبر معرض لأن يفقد شيئا من العلاقة المباشرة التي صنعت نجاحه في بدايته. لذلك سيكون الحفاظ على فكرة المشروع الأصلية أهم من مجرد زيادة عدد المشاركين.

المطلوب ألا يتحول إلى دورة تصوير كبيرة.

فالمهارة وحدها ليست الغاية.

ما يميز المشروع هو ارتباطها بالمكان والذاكرة، وأن يعرف المتدرب لماذا يصور قبل أن ينشغل فقط بكيفية التصوير.

ويتضمن إطلاق محطة العاصمة في المركز الثقافي الملكي فيلما توثيقيا مدته خمس دقائق يستعرض المحطات الخمس السابقة، إلى جانب كلمة معالي وزير الثقافة، وكلمة عطوفة أمين عام الوزارة، وكلمة مؤسس ومدرب المبادرة المصور سامي الزعبي حول السردية البصرية وأهمية توثيق الوطن، إضافة إلى فيلم تعريفي عن مسيرته.

أما ما يمكن الاستفادة منه في تجربة “أردننا في عيوننا”، فلا يحتاج إلى نموذج معقد.

الفكرة تبدأ من ربط التدريب بموضوع حقيقي.

بدلا من تعليم التصوير في قاعة ثم البحث لاحقا عن تطبيق، يصبح المكان نفسه مادة للتعلم. يخرج المتدرب إلى محافظته، ينظر إلى تفاصيلها، يسأل عن تاريخها، ثم يحاول أن يترجم ذلك إلى صورة.

وهذا نموذج يمكن استخدامه في مجالات أخرى أيضا. أي مشروع شبابي يصبح أكثر معنى عندما ترتبط المهارة التي يتعلمها المشارك بقضية أو مكان أو ذاكرة يستطيع أن يشعر بأنها تخصه.

كما أن المشروع يقدم فكرة مهمة في مسألة توثيق المحافظات. ليس ضروريا أن تأتي عملية التوثيق كلها من المركز. في كل مدينة وقرية أشخاص يعرفون المكان أكثر من أي زائر، والمطلوب أحيانا هو منحهم الأدوات التي تساعدهم على تسجيل ما يعرفونه.

لهذا لا أرى أن القيمة الحقيقية للمشروع تقف عند تخريج مصورين جدد.

الأهم أن يخرج بعضهم بعين مختلفة.

عين تنتبه إلى التفاصيل التي اعتادت عليها حتى كادت لا تراها، وتدرك أن ما يبدو ثابتا اليوم ليس مضمونا أن يبقى كذلك.

فالسردية البصرية لا تصنع دفعة واحدة، ولا تحتاج دائما إلى المشهد الكبير. قد تبدأ من باب قديم، أو وجه حرفي، أو شارع يعرفه الناس جيدا، أو تفصيل صغير لم ينتبه أحد إلى قيمته إلا بعد أن اختفى.

وهنا يصبح التصوير أكثر من هواية.

يصبح طريقة لحفظ شيء من المكان قبل أن يتغير.

زر الذهاب إلى الأعلى