أقلام حرةصيد الشاهين

دلالات خطاب العرش السامي في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين

داود شاهين

لم يكن خطاب العرش السامي الذي تفضّل به جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين بمناسبة افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، مجرد خطبة بروتوكولية عابرة، بل جاء ليشكّل وثيقة سياسية واستراتيجية بالغة التكامل، ترسم بدقة ملامح المرحلة المقبلة للدولة الأردنية. وقد حمل في طياته رسائل واضحة ومباشرة تخاطب الداخل والخارج على حد سواء، في توقيت إقليمي شديد الحساسية يفرض تحديات جسيمة على مختلف الأصعدة الأمنية والسياسية والاقتصادية.

استهل جلالة الملك خطابه مرتكزاً على صلب السيادة الوطنية والأمن الاستراتيجي، متطرقاً إلى المحاولات الإرهابية الغادرة الأخيرة. وعكس الخطاب حزماً لا يلين وموقفاً لا يقبل المساومة في مواجهة أي تهديد لأمن الوطن واستقراره، مشدداً على أن الأردن كان وسيبقى عصياً على كل معتدٍ. وقد برز بوضوح الدور البطولي لأبناء القوات المسلحة والأجهزة الأمنية (الجيش العربي)، إلى جانب الرهان الدائم على وعي الشعب الأردني وتماسكه في وجه العواصف والخطوب، لتظل الجبهة الداخلية الحصن المنيع الأول الذي لا يمكن تجاوزه.

وعلى الصعيد الخارجي، جدد الملك التأكيد على ثبات الموقف الأردني التاريخي والراسخ تجاه القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني. ووجه الخطاب رسائل حاسمة قاطعة تفيد بأنه لا أمن ولا استقرار في المنطقة دون تلبية الحق الفلسطيني، منتقداً استمرار الكارثة الإنسانية في غزة والاعتداءات المتوالية في الضفة الغربية والقدس الشريف، فضلاً عن رفض الأطماع التوسعية الإسرائيلية. وجاءت العبارات حاسمة في رفض محاولات طمس الحقيقة وتغيير الواقع، لتؤكد أن الأردن بقيادة هاشمية واعية وشعب أصيل لن يحيد قط عن مبادئه وعروبته.

وفي الشأن المحلي، وجّه الملك رسائل مباشرة إلى مجلس الأمة بغرفتيه (الأعيان والنواب)، مذكّراً بأن البرلمان يمثل ركناً أساسياً في بنيان الحياة السياسية، وبأن الأمة هي مصدر السلطات جميعاً، وداعياً أعضاء المجلس ليكونوا حراساً للمصلحة العامة ورقباء فاعلين على الأداء الحكومي، ومعتبراً أن اختلاف الرأي يظل مصدر قوة طالما كانت مصلحة الأردن هي الغاية الكبرى. ولفت الانتباه بذكاء إلى نقطة جوهرية مفادها أن تقييم المواطن للمؤسسة التشريعية لا يقف عند حدود التشريعات والقوانين الصادرة عنها، بل يمتد ليشمل سلوكيات ممثليه وخطابهم العام.

أما في الملف الاقتصادي والخدمي، فقد وضع جلالة الملك المواطن الأردني في صلب كل قرار، مؤكداً أن التنمية الحقيقية هي التي يلمس المواطن أثرها المباشر في تفاصيل معيشته، وفرص عمله، وتعليمه، وعلاجه. وطالب الحكومة بالإسراع في إنجاز المشاريع الكبرى الطموحة لرفد الاقتصاد الوطني وتعزيز منعته، فيما برز التأكيد الملكي المكثف على قطاع المياه (“المياه، المياه، المياه!”) كأولوية وطنية مطلقة لا تقبل المهادنة، موجهاً بوضع خطط استباقية مستدامة تحمي موارد الوطن وتحفظ حقوق الأجيال القادمة.

واختتم الخطاب بالتأكيد الراسخ على مبادئ العدالة والمساءلة، معلناً بقطع تام أنه لا مكان لمن يظن أن الوظيفة العامة تشريف، ولا حصانة لأي شخص يسيء استخدام منصبه، ومشسدداً [الصواب: ومشدداً] على أن هيبة الدولة وسيادة القانون تتقدمان على كل اعتبار، وأن القانون لا يعرف اسماً ولا منصباً ولا نفوذاً، في رسالة تعزز عميقاً مفهوم دولة المؤسسات. كما ذكّر بأن الدستور الأردني كفل حق التداول بالشأن العام، داعياً إلى أن يكون الحوار مسؤولاً ومخلصاً، يزاوج بين كرامة الكلمة وأدب الاختلاف في ظل صدر رحب للوطن وقائده.

إن خطاب العرش السامي يمثّل بحق خارطة طريق متكاملة، تربط ببراعة لافتة بين الأمن الخارجي والداخلي، وبين التحديات الإقليمية والاستحقاقات التنموية الداخلية، مؤكداً أن مناعة الأردن واستقراره يقومان على ثالوث متين: وعي الشعب، وبأس المؤسسات العسكرية والأمنية، والتزام الدولة الصارم بسيادة القانون وتحقيق العدالة الاجتماعية.

.

حمى الله الأردن و الأردنيين

زر الذهاب إلى الأعلى