
الأردن 2026… عام التميّز الثقافي، والبناء على الإنجاز
احمد يونس اليازوري
حين يصبح الكتاب حاضرًا في حياة الناس، تصبح الثقافة مشروع وطن، وتغدو القراءة طريقًا لبناء الوعي وصناعة المستقبل. وقد شهد الأردن خلال عام 2026 حراكًا ثقافيًا متميزًا، وتنوعًا في المبادرات والفعاليات التي أسهمت في تنشيط المشهد الثقافي وتعزيز حضور الكتاب والقراءة. وهذا التميز يستحق أن نعتز به، وأن نحافظ على زخمه، ونبني عليه ليصبح مسارًا وطنيًا مستدامًا يصل بالثقافة إلى كل مدينة وقرية.
لقد كان لوزارة الثقافة، بقيادة وزير الثقافة مصطفى الرواشدة، وبجهود أمينها العام الدكتور نضال العياصرة، دور مهم في تنشيط الحياة الثقافية من خلال برامج القراءة والنشر ومكتبة الأسرة والفعاليات التي امتدت إلى المحافظات. كما أسهم اتحاد الناشرين الأردنيين، برئاسة جبر أبو فارس، في دعم صناعة الكتاب وتعزيز حضورها، من خلال تنظيم معرض عمّان الدولي للكتاب الذي يحتفل هذا العام بيوبيله الفضي. وواصلت رابطة الكتّاب الأردنيين واتحاد الكتّاب والأدباء الأردنيين أداء دورهما في تنشيط الحركة الأدبية ودعم المبدعين وتعزيز حضور الثقافة في المجتمع.
وامتد هذا الحراك ليشمل مؤسسات ومبادرات تستحق التقدير؛ فمؤسسة عبد الحميد شومان تواصل إسهامها في نشر ثقافة القراءة، فيما تؤدي دائرة المكتبة الوطنية وجمعية المكتبات والمعلومات الأردنية أدوارًا مهمة في تنظيم الأنشطة والفعاليات القرائية وتوسيع الوصول إلى المعرفة. كما برز دور جمعية إنتاج المعرفة والنشر الثقافي في دعم مبادرات توزيع الكتب المجانية، بالتعاون مع شركائها، ومن بينها مبادرة «رصيف الثقافة» وفعالية «كتابك المجاني بانتظارك» التي أتاحت آلاف الكتب للقراء، وأكدت أن نشر المعرفة مسؤولية مجتمعية تتكامل فيها جهود المؤسسات الرسمية والأهلية.
لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس فقط ماذا حققنا في عام 2026، بل كيف نحافظ على هذا الحراك وننقله إلى مرحلة أكثر استدامة وتأثيرًا؟ فالمطلوب ألا تبقى الإنجازات مرتبطة بموسم أو مناسبة، بل أن تتحول إلى عمل متواصل يوسع قاعدة القراء ويعزز حضور الكتاب في مختلف مناطق المملكة.
من هنا تبرز فكرة إطلاق مشروع وطني بعنوان «مدينة القراءة»، تبدأ رحلته من عمّان، ثم تنتقل سنويًا إلى مدينة أردنية أخرى، بالشراكة بين وزارة الثقافة واتحاد الناشرين والروابط والاتحادات والمؤسسات الثقافية، وبمشاركة البلديات والجامعات والمدارس والمكتبات العامة والقطاع الخاص.
ولا نريد لهذا المشروع أن يكون مجرد لقب أو احتفالية عابرة، بل برنامجًا عمليًا يمتد على مدار العام، يتضمن إقامة معارض وطنية للكتاب موزعة على أشهر السنة، تنتقل بين المدن والمحافظات وفق جدول معلن، وترافقها لقاءات أدبية وندوات وتوقيعات كتب وأنشطة للأطفال والشباب، إلى جانب توزيع الكتب المجانية وإتاحة الإصدارات بأسعار مناسبة. وبذلك لا يبقى الكتاب أسير معرض سنوي أو فعالية موسمية، بل يصبح حاضرًا في حياة الناس على امتداد العام.
إن معرض عمّان الدولي للكتاب يمثل محطة رئيسية في هذا المسار، لكنه لا ينبغي أن يكون نهاية النشاط الثقافي السنوي، بل نقطة انطلاق لحركة أوسع تتيح للناشر والكاتب والقارئ فرصًا متجددة للقاء والتفاعل، وتمنح المدن والمحافظات نصيبًا أكبر من الفعاليات والأنشطة الثقافية.
ومع التقدير لما تحقق، فإننا نتطلع إلى أن يكون عام 2027 أكثر تركيزًا على الأطراف والمحافظات الأقل حظًا، وأن تتجه إليها المؤسسات الرسمية والأهلية والقطاع الخاص بمبادرات وبرامج عملية توفر الكتاب لأبنائها، وتدعم المكتبات والمدارس والمراكز الثقافية، وتمنح الأطفال والشباب فرصًا حقيقية للمشاركة في الحياة الثقافية. فالعدالة الثقافية تقتضي ألا تظل الفرص متركزة في العاصمة والمدن الكبرى، بل أن تصل المعرفة إلى كل مواطن أردني أينما كان.
إن الحفاظ على ما تحقق في عام 2026 مسؤولية مشتركة، تتطلب إرادة وتنسيقًا مؤسسيًا وتكاملًا في الأدوار، والانتقال من المبادرات المتفرقة إلى برامج واضحة قابلة للتنفيذ والاستمرار. ويمكن لمشروع «مدينة القراءة» أن يشكل خطوة مهمة في هذا الاتجاه، وأن يمنح الحراك الثقافي إطارًا عمليًا يضمن استمراره واتساع أثره.
لقد أثبت الأردن خلال عام 2026 أن لديه طاقات ومؤسسات ومبادرات قادرة على تنشيط الحياة الثقافية، والواجب اليوم أن نحافظ على هذا التميز ونطوره، وأن نجعل عام 2027 عامًا أوسع أثرًا، يصل فيه الكتاب والثقافة إلى الأطراف والمحافظات الأقل حظًا. نريد عمّان مدينة للقراءة، ونريد لكل مدينة أردنية أن تحتفي بكتابها وقرائها، وأن يصبح الاحتفاء بالثقافة نهجًا مستمرًا لا مناسبة عابرة. فما تحقق يستحق أن نحافظ عليه، وما بدأناه يستحق أن نواصل البناء عليه.







