أقلام حرةغير مصنف

خطاب جلالة الملك تحت القبة: رسائل دولة ورؤية ملك

المحامي عبدالرحيم الزواهرة

من على منبر مجلس الأمة، جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ليؤكد أن الأردن، رغم ما يحيط به من تحديات إقليمية ودولية، يمتلك من الحكمة السياسية، وصلابة الموقف، وقوة المؤسسات، ما يجعله قادرًا على حماية منجزاته، وصون سيادته، والمضي بثبات نحو المستقبل.

لم يكن خطاب العرش السامي مجرد افتتاح لدورة برلمانية جديدة، بل رسالة دولة تحمل في مضامينها معادلة واضحة، مفادها أن قوة الأردن لا تستمد من غياب التحديات، بل من قدرته على مواجهتها، وأن استقرار الوطن ليس صدفة تاريخية، بل ثمرة قيادة حكيمة، وشعب وفيّ، ومؤسسات راسخة، تدرك أن أمن الدولة وكرامة المواطن خطان أحمران لا يقبلان المساومة.

وفي خطاب يعكس عمق الرؤية الملكية وصلابة الموقف الأردني، وضع جلالة الملك ملامح المرحلة المقبلة، مؤكدًا أن الدولة التي تعرف ثوابتها وتثق بمؤسساتها لا تنحني أمام العواصف، بل تحوّل التحديات إلى فرص، وتحمي حاضرها بإرادة أبنائها، وتصنع مستقبلها بثقة واقتدار.

وفي حديث جلالته عن الإرهاب، وما حاولت يد الغدر أن تستهدفه من أمن الوطن واستقراره، كانت الرسالة واضحة وحاسمة، بأن الأردن ليس دولة يمكن اختبار صلابتها أو النيل من وحدتها، وأن أمن الأردنيين وسيادة الدولة خط أحمر لا يقبل المساومة.

لقد أثبت الأردن عبر تاريخه أن قوته الحقيقية تكمن في تماسك جبهته الداخلية، ووحدة شعبه، والتفافه حول قيادته، وفي قدرته على تحويل التحديات إلى فرص لتعزيز مناعته الوطنية.

وفي حديث جلالته عن دور مجلس الأمة، تتجلى رؤية ملكية عميقة لمفهوم الدولة الحديثة؛ حيث لا تكون المؤسسات مجرد هياكل دستورية، وإنما أدوات فاعلة في خدمة المواطن، وصون مصالحه، وتعزيز ثقته بمسيرة الإصلاح.

لقد وضع جلالة الملك أمام مجلس الأمة مسؤولية وطنية تتجاوز حدود التشريع والرقابة إلى جوهر العمل السياسي المسؤول، مؤكدًا أن المجلس يجب أن يكون صوت الوطن، وحارسًا للمصلحة العامة، ورقيبًا على الأداء الحكومي.

فالمواطن الأردني لا ينتظر من مؤسساته أن تنشغل بالخلافات، وإنما ينتظر منها أن تترجم مسؤولياتها إلى إنجازات ملموسة يشعر بها في حياته اليومية.

إن الاختلاف في الرأي لا ينتقص من قوة الدولة، بل يعززها حين يكون اختلافًا مسؤولًا، تحكمه المصلحة الوطنية، وتحفظه أخلاق الحوار وأدب الاختلاف.

ومن هنا، تبرز أهمية تأكيد جلالة الملك على سيادة القانون، باعتبارها أساسًا راسخًا لعلاقة سليمة بين المواطن ومؤسسات الدولة؛ فالدولة التي تحترم مواطنيها هي الدولة التي لا تميّز بين صاحب منصب ومواطن عادي أمام القانون، ولا تسمح بأن تتحول الوظيفة العامة إلى امتياز شخصي أو وسيلة لتحقيق المصالح الخاصة.

إن تأكيد جلالته على أن القانون لا يعرف اسمًا ولا منصبًا ولا نفوذًا، يمثل رسالة واضحة بأن النزاهة والمساءلة والعدالة ليست شعارات تُرفع، بل قيم يجب أن تتحول إلى ممارسة يومية في مختلف مواقع المسؤولية.

كما أن المرحلة الراهنة تتطلب من الأحزاب والقوى السياسية تحمّل مسؤولياتها في تطوير الحياة العامة، وتقديم برامج واقعية تستجيب لتطلعات المواطنين، وتعزز المشاركة السياسية على أساس من العمل المؤسسي والوعي الوطني.

فالأردن الذي نريده وطنًا للمستقبل يحتاج إلى عمل سياسي جاد، وإدارة عامة كفؤة، ومؤسسات قادرة على تحويل الرؤى إلى نتائج، وشباب يؤمن بأن المشاركة مسؤولية وطنية، وليست مجرد حضور عابر في المشهد.

لقد حمل خطاب العرش السامي تأكيدًا جديدًا على أن الدولة الأردنية لا تنفصل في مسيرتها عن شعبها، وأن قوة القيادة من قوة مؤسساتها، وأن قوة المؤسسات من ثقة المواطنين بها.

وهذه الثقة لا تُبنى بالكلمات وحدها، وإنما بالعدالة والإنجاز والشفافية واحترام كرامة الإنسان.

إن جلالة الملك عبدالله الثاني يجسد في قيادته نموذجًا للدولة التي تعرف طريقها، وتدرك حجم التحديات من حولها، وتمضي بثبات نحو المستقبل، دون أن تتخلى عن ثوابتها الوطنية أو رسالتها القومية والإنسانية.

فالأردن، بقيادته الهاشمية وشعبه الأصيل، قادر على مواصلة مسيرته مهما تعاظمت التحديات؛ لأن هذا الوطن لم يكن يومًا مجرد حدود جغرافية، بل حكاية عزيمة ووفاء، وتاريخ من المواقف التي صنعت مكانته وحفظت كرامته.

إن الوفاء للأردن ولقيادته لا يكون بالكلمات وحدها، بل بالعمل الصادق، والموقف المسؤول، والالتزام بقيم الدولة ومصالح شعبها.

حفظ الله الأردن عزيزًا آمنًا مستقرًا، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني وسمو ولي عهده الأمين، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار.

زر الذهاب إلى الأعلى