أقلام حرة

خطاب العرش خارطة طريق وطنية من الرؤية إلى الإنجاز، ومن المسؤولية إلى المساءلة

المهندس رزق البلاونة

لم يكن خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين مجرد خطاب لافتتاح دورة برلمانية، بل حمل رسالة استراتيجية عميقة تؤكد الانتقال من مرحلة وضع الرؤى والتوجهات إلى مرحلة التنفيذ والإنجاز والمساءلة، في ظل مرحلة دقيقة تشهد فيها المنطقة تحولات سياسية وأمنية واقتصادية متسارعة، تتطلب وضوحاً في الرؤية، وحزماً في القرار، وتكاملاً في الأدوار بين مؤسسات الدولة. لقد جاء الخطاب حاملاً مجموعة من الرسائل الوطنية والسياسية والاقتصادية التي تعكس عمق الرؤية الملكية في التعامل مع التحديات، وتؤكد أن الأردن، بقيادته الهاشمية ومؤسساته الدستورية وشعبه الواعي، يمتلك من الإرادة والصلابة ما يمكنه من تجاوز مختلف الظروف، والحفاظ على أمنه واستقراره ومكانته الإقليمية والدولية. وقد شكل تأكيد جلالة الملك على أمن الأردن واستقراره رسالة واضحة بأن أمن الوطن خط أحمر لا يقبل المساومة، وأن الوحدة الوطنية وتماسك الجبهة الداخلية يمثلان الركيزة الأساسية التي يستند إليها الأردن في مواجهة التحديات، مستذكراً تضحيات الشهداء الذين قدموا أرواحهم دفاعاً عن الوطن، ومؤكداً أن الإرهاب والفكر المتطرف لن ينالا من عزيمة الأردنيين ولا من قوة مؤسساتهم. كما حمل الخطاب تجديداً للموقف الأردني الثابت تجاه القضية الفلسطينية، ورفضاً للأطماع التوسعية الإسرائيلية التي تشكل تهديداً لمستقبل المنطقة واستقرارها، وتأكيداً على أن حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة ستبقى في صلب الموقف الأردني، وأن الدور الهاشمي تجاه القدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية سيظل ثابتاً لا يتغير، انطلاقاً من المسؤولية التاريخية والقومية والإنسانية التي يضطلع بها الأردن. وفي الشأن الداخلي، برزت الرسائل الملكية المتعلقة بالإصلاح السياسي والعمل البرلماني، حيث أكد جلالته أن الاختلاف في الرأي مصدر قوة عندما تكون مصلحة الأردن هي الغاية، وهي رسالة تعكس إيمان القيادة بأهمية التعددية والحوار الديمقراطي المسؤول، وتؤكد أن مجلس الأمة مطالب بالارتقاء بأدائه التشريعي والرقابي، وأن يكون صوتاً للوطن وحارساً للمصلحة العامة، فالأداء البرلماني لا يقاس بعدد القوانين التي تصدر فقط، وإنما بالسلوك والخطاب والممارسة ومدى القدرة على التعبير عن تطلعات المواطنين والدفاع عن مصالحهم. إن المرحلة المقبلة تتطلب ممارسة سياسية أكثر نضجاً، تبتعد عن المناكفات والشخصنة، وتتجه نحو الحوار المنتج والعمل المؤسسي، بما يعزز الثقة بالحياة السياسية ومؤسساتها الدستورية. وفي الجانب الاقتصادي، حمل الخطاب رسالة واضحة بأن مصلحة المواطن يجب أن تكون في صلب القرار، وأن نجاح السياسات الحكومية لا يقاس بعدد الخطط والاستراتيجيات المعلنة، وإنما بمدى انعكاسها على حياة المواطنين، من خلال توفير فرص العمل، وتحفيز الاستثمار، وتعزيز الإنتاجية، وتحسين الخدمات، ورفع تنافسية الاقتصاد الوطني. وهذا يتطلب تسريع تنفيذ المشاريع الاستراتيجية، وتجاوز البيروقراطية، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والانتقال من مرحلة التخطيط إلى مرحلة الإنجاز الفعلي الذي يلمسه المواطن في واقعه اليومي. كما أن تأكيد جلالة الملك على الأمن المائي باعتباره أولوية وطنية لا تقبل التأجيل يعكس إدراكاً عميقاً لحجم التحدي الذي يواجه الأردن، باعتباره من أكثر دول العالم تأثراً بشح الموارد المائية والتغيرات المناخية، الأمر الذي يستدعي تسريع المشاريع المائية الاستراتيجية، وتعزيز كفاءة استخدام المياه، والتوسع في تقنيات حصاد مياه الأمطار، وإعادة استخدام المياه المعالجة، والاستثمار في التكنولوجيا والبحث العلمي والابتكار، وربط الأمن المائي بالأمن الغذائي والاستدامة الزراعية والبيئية، باعتبارها منظومة متكاملة لا يمكن التعامل مع مكوناتها بمعزل عن بعضها. ومن هنا تبرز أهمية الدور الذي تضطلع به المؤسسات البحثية والعلمية في تطوير الحلول التطبيقية ونقل التكنولوجيا وتقديم المعرفة التي تسهم في مواجهة التحديات الوطنية، وتحويل البحث العلمي إلى قيمة اقتصادية وتنموية حقيقية. وفي جانب لا يقل أهمية، جاءت الرسائل الملكية المتعلقة بسيادة القانون والنزاهة والمساءلة لتؤكد أن الوظيفة العامة تكليف لخدمة الوطن والمواطن وليست امتيازاً شخصياً، وأنه لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه أو يستغل نفوذه، فالدولة القوية هي التي تطبق القانون على الجميع دون استثناء، وتعزز مبادئ العدالة والشفافية وتكافؤ الفرص، وتواجه الواسطة والمحسوبية، وتجعل الكفاءة والإنجاز أساساً لتولي المسؤولية والاستمرار فيها. كما أن دعوة جلالة الملك إلى تعزيز المشاركة في الشأن العام تحمل دلالات مهمة حول دور المواطن في صناعة المستقبل، فالمواطنة ليست مجرد حقوق وواجبات، بل مشاركة فاعلة ومسؤولة في حماية المنجزات الوطنية والمساهمة في تطوير السياسات والبرامج، واحترام الاختلاف وتغليب المصلحة العامة على المصالح الضيقة. إن القراءة المتأنية لخطاب العرش تكشف أن جلالة الملك وضع أمام مؤسسات الدولة استحقاقات واضحة للمرحلة المقبلة؛ فالحكومة مطالبة بتسريع الإنجاز وتحسين الخدمات وتحقيق أثر اقتصادي وتنموي ملموس، ومجلس الأمة مطالب بالارتقاء بدوره التشريعي والرقابي، والمؤسسات العامة مطالبة بتعزيز النزاهة والكفاءة والمساءلة، فيما يبقى المواطن شريكاً أساسياً في مسيرة الإصلاح والبناء. ومن هنا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة الخطط أو إعلان التوجهات، وإنما في القدرة على ترجمتها إلى برامج تنفيذية واضحة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، ونتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية. إن خطاب العرش السامي لعام 2026 يمثل خارطة طريق وطنية تجمع بين حماية الأمن والاستقرار، والتمسك بالثوابت القومية، وتعزيز الإصلاح السياسي، وتحفيز الاقتصاد، وصون الموارد الوطنية، وترسيخ سيادة القانون، وهو خطاب يضع المسؤولية أمام الجميع دون استثناء، ويؤكد أن المرحلة المقبلة تتطلب إرادة حقيقية للعمل، وتكاملاً في الجهود، وانتقالاً جاداً من القول إلى الفعل، ومن التخطيط إلى التنفيذ، ومن المسؤولية الوظيفية إلى المساءلة الوطنية. فالأردن الذي استطاع عبر تاريخه تجاوز التحديات بفضل حكمة قيادته الهاشمية وتماسك شعبه، قادر على مواصلة مسيرته بثقة وثبات، شريطة أن تكون المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، وأن يصبح الإنجاز المعيار الحقيقي للأداء العام. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات وحدها، وإنما بالإرادة والعمل والإخلاص، وبقدرة مؤسساتها على تحويل الرؤى إلى واقع، والتحديات إلى فرص، والطموحات إلى إنجازات تحفظ للأردن مكانته وتؤمن لأبنائه مستقبلاً أكثر استقراراً وازدهاراً.

زر الذهاب إلى الأعلى