
الإرهاب يطرق أبواب الأردن.. فمن يستهدف أمننا وسلامنا المجتمعي؟
فداء الحمزاوي
منذ أيام قليلة، خيم الحزن على وطننا إثر الجريمة المروعة التي استهدفت إخوتنا في الدم والوطن خلال تشييع جنازة في كنيسة بمنطقة الحمود في محافظة الكرك، في مشهد أعاد إلى الأذهان بشاعة الفكر المتطرف حين يتحول إلى أداة للقتل والترويع، ويستهدف أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم يمارسون حقهم الإنساني والديني في ممارسة شعائرهم ووداع موتاهم.
وها نحن اليوم أمام فاجعة جديدة تعيد الألم إلى قلوب الأردنيين، بعد استشهاد أحد مرتبات الأمن العام أثناء أدائه واجبه، وإصابة آخر، إثر اعتداء نفذه أحد أصحاب السوابق باستخدام أداة حادة، في محاولة للاعتداء على رجال الأمن الذين يمثلون خط الدفاع الأول عن أمن الوطن واستقراره.
وفي الوقت الذي لا تزال فيه التحقيقات جارية لكشف ملابسات الحادثة ودوافع مرتكبها، وما إذا كانت شخصية أم تقف خلفها دوافع فكرية أو أيديولوجية، فإن ما أُثير حول محتوى صفحته الشخصية على منصة فيسبوك، وما تضمنته من أفكار ذات طابع تكفيري ومتطرف، يفتح الباب أمام تساؤلات جدية لا يجوز تجاهلها، خصوصا في ظل التقارب الزمني بين هذه الحادثة والجريمة التي شهدتها الكرك.
وهنا لا بد من التساؤل، هل نحن أمام حوادث منفصلة لا رابط بينها، أم أن ثمة فكرا متطرفا يحاول استغلال الظروف لبث الخوف والقلق وزعزعة الثقة بين مكونات المجتمع الأردني؟ وهل يمكن أن تكون هناك جهات أو أفكار تقف خلف محاولات متكررة لاستهداف أمننا الداخلي وإثارة الفتنة بين أبناء الوطن الواحد؟
لا أطرح هذه التساؤلات باعتبارها حقائق محسومة، ولا يجوز الجزم بوجود ارتباط بين الحادثتين قبل انتهاء التحقيقات الرسمية، لكنها تساؤلات تفرضها خطورة المشهد، وتستوجب التعامل معها بجدية وشفافية، وصولا إلى كشف الحقيقة ومحاسبة كل من يثبت تورطه، سواء كان منفذا أو محرضا أو داعما.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات ليس الجريمة بحد ذاتها فحسب، بل الأفكار التي تسبقها وتمنح مرتكبيها مبررات زائفة لارتكابها، فالفكر التكفيري لا يبدأ بسكين أو رصاصة، وإنما يبدأ حين يصور الآخر على أنه عدو، وحين تمنح النفس حق الحكم على عقائد الناس ودمائهم، وحين يتحول الاختلاف الديني أو الفكري إلى مبرر للإقصاء والعنف والقتل.
ومن المؤسف أن يرتكب هؤلاء جرائمهم تحت ذريعة الانتصار للدين والإسلام، فيما الإسلام منهم ومن أفعالهم براء، فلم يأمرنا ديننا يوما بقتل المصلين في كنائسهم، أو الاعتداء على الأبرياء الآمنين، أو استهداف رجل أمن يؤدي واجبه في حماية وطنه وأهله، بل إن جوهر رسالتنا الدينية يقوم على حفظ النفس الإنسانية وصون الكرامة وتعزيز قيم الرحمة والتسامح والتعايش.
لقد علمنا الإسلام أن الاختلاف بين البشر لا يبرر العداء، وأن حرمة الدماء لا تسقط باختلاف الدين أو العرق أو الجنس، وأن حماية الإنسان وأمنه مسؤولية أخلاقية ودينية قبل أن تكون واجبا قانونيا.
والأردن، الذي شكلت وحدته الوطنية على الدوام إحدى أهم ركائز قوته، لم يكن يوما وطنا يقاس فيه الانتماء باختلاف الدين أو المعتقد، بل كان وسيبقى بيتا واحدا يجمع أبناءه تحت راية واحدة، يتشاركون فيه الأرض والتاريخ والمصير ومن هنا، فإن استهداف أي مكون من مكونات المجتمع الأردني هو استهداف للأردن بأكمله، ومحاولة لضرب النسيج الوطني الذي حافظ عليه الأردنيون جيلا بعد جيل.
ولا يمكن أن نغفل في هذا السياق الدور الذي تقوم به الأجهزة الأمنية في حماية المواطنين وصون الاستقرار، وما يقدمه منتسبوها من تضحيات يومية في سبيل أن ينعم الأردنيون بالأمان، إن استشهاد رجل أمن أثناء أداء واجبه ليس مجرد خبر عابر، بل خسارة وطنية تستوجب وقفة جادة، وتذكيرا بحجم المسؤولية الملقاة على عاتق الدولة والمجتمع في حماية من يحموننا.
إن مواجهة التطرف لا تكون بالبيانات والشعارات وحدها، بل تبدأ من تجفيف منابعه الفكرية، ومراقبة خطاب التحريض والتكفير، والتعامل الحازم مع كل من يروج للعنف أو يبرر الاعتداء على الآخرين، كما تتطلب مراجعة آليات التعامل مع أصحاب السوابق، وتقييم الإجراءات الوقائية التي تحول دون تحول أصحاب الأفكار المتطرفة والسلوك الإجرامي إلى تهديد مباشر لحياة المواطنين ورجال الأمن.
أما على المستوى القضائي، فإنني أؤمن بضرورة مراجعة سياسة العقوبات في الجرائم بالغة الخطورة، وعدم التساهل مع مرتكبي جرائم القتل والإرهاب والاعتداءات التي تستهدف حياة المواطنين ورجال الأمن، إن سيادة القانون لا تعني التساهل، والعدالة لا تكتمل إلا بمحاسبة الجناة وإنصاف الضحايا، وتطبيق العقوبات الرادعة التي تتناسب مع جسامة الجرائم، وفق أحكام القانون وضمانات المحاكمة العادلة.
ومن هنا، أجد أن ملف تنفيذ أحكام الإعدام في الجرائم التي تستوجب هذه العقوبة وفق التشريعات الأردنية يستحق نقاشا وطنيا وقانونيا جادا، بعيدا عن التردد أو الاعتبارات التي قد تضعف هيبة القانون، فالمجرم الذي يعتقد أن بإمكانه الإفلات من العقاب، أو أن حياته ستستمر بصورة طبيعية بعد سلب حياة الآخرين، يحتاج إلى أن يدرك أن للدولة سلطة القانون، وأن العدالة لا تسقط بالتقادم ولا تتهاون مع الدماء.
إن أمن الأردن ليس تفصيلا قابلا للمساومة، ووحدته الوطنية ليست مساحة لتجارب أصحاب الفكر المنحرف، ودماء الأبرياء ورجال الأمن ليست أرقاما تضاف إلى نشرات الأخبار ثم تنسى، نحن لا نريد أن نستيقظ كل يوم على فاجعة جديدة، ولا أن يتحول الخوف إلى جزء من تفاصيل حياتنا اليومية، نريد أن يبقى الأردن كما عرفناه، وطنا آمنا يحتضن أبناءه، وملاذا للاستقرار والتسامح، لا ساحة لتصفية الحسابات أو تصدير الأفكار المتطرفة.
لقد اعتدنا أن نحتمي بأمن هذا الوطن، وأن ننام مطمئنين إلى أن هناك رجالا يسهرون على حمايتنا واليوم، من حقنا أن نسأل، ومن واجبنا أن نطالب بكشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة كل من يقف خلف هذه الجرائم أو يحرض عليها.
رحم الله شهداء حمود وشهيد الواجب، ومن على المصاب بالشفاء العاجل، وحمى الأردن وأهله من كل سوء.






