أقلام حرة

الارهاب وإعادة إنتاج “الشك الأمني”

لم يكد الشارع الأردني يستفيق من صدمة الهجوم الإرهابي الذي استهدف كنيسة قرية حمود في محافظة الكرك، حتى فجعنت العاصمة عمّان اليوم الخميس، 5 نوفمبر 2026، على وقع عمل إرهابي جبان استهدف مباشرة أحد مرتبات الأمن العام في شارع المدينة المنورة. هذا الحادث المأساوي، الذي أسفر عن استشهاد العريف جواد علي خلف السلايطة وإصابة ضابط آخر بجروح، يعيد إلى الواجهة نقاشاً أمنياً وفلسفياً معقداً؛ نقاشاً يضع استراتيجية “الثقة المتبادلة” بين المواطن والمؤسسة الأمنية على المحك، ويدفع قسراً نحو إعادة مراجعة السياسات الأمنية للتحول من فكرة الأمن الشريك إلى “الشك الافتراضي الاحترازي”.

وفقاً لبيان الأمن العام، فإن المعتدي باغت العريف السلايطة أثناء تأدية واجبه الرسمي أمام احدى السفارات، وطعنه بأداة حادة، محاولاً الاستيلاء على سلاحه الناري. التحقيقات الأولية وسجل المعتدي – الذي تبين ارتباطه بقضايا إرهابية سابقة – حسب بعض الأنباء غير الرسمية تثبت وجود تخطيط مسبق لاستهداف رجال الأمن. إن خطورة هذا العمل لا تكمن فقط في كونه اعتداءً جسدياً، بل في كونه استهدافاً متعمداً لرمزية الدولة وهيبتها المتمثلة في بذلة رجل الأمن، وفي قلب منطقة حيوية بالعاصمة.

في الظروف الطبيعية، تسعى الدول الحديثة إلى تعزيز الأمن القائم على بناء جسور الثقة مع المواطنين كشركاء في حفظ الاستقرار وجمع المعلومات وتأمين الجبهة الداخلية. لكن حينما تضرب موجات الإرهاب العشوائي أو الممنهج، تصبح مؤسسات الأمن العام أمام معضلة حقيقية:

  • صدمة مباغتة اليقظة: يعتمد الإرهاب في أدبياته على استغلال “مساحات الأمان والاطمئنان” التي يتعامل بها رجل الأمن مع محيطه اليومي. مباغتة الشهيد السلايطة وهو يؤدي واجبه الروتيني تُثبت أن الإرهاب يستثمر في ثقة رجل الأمن بالمارة.
  • اضطرار حتمية “الشك الافتراضي”: أمام هذه التهديدات، تجد السياسة الأمنية نفسها مدفوعة نحو تبني استراتيجية “الشك الافتراضي كأصل عام”. في هذا السياق، يصبح كل شخص يقترب من نقطة أمنية أو دورية – في نظر النظام الأمني – خطراً محتملاً حتى يثبت العكس.
  • الوقاية الفورية مقابل الانسيابية الاجتماعية: إن التحول إلى الشك الاحترازي يعطي الأولوية القصوى لحماية أرواح مرتبات الأمن العام وإحباط المخططات قبل ثوانٍ من تنفيذها، وهو ما يفرض إجراءات أكثر صرامة في الشارع، وتوسيعاً لدوائر الاشتباه.

إن الانتقال الطارئ إلى “سياق الشك الأمني” يفرض على صناع القرار في الأردن الموازنة الدقيقة بين أمرين كلاهما مر:

  1. ضرورة الحسم الميداني: أمن الدولة وحياة حُماتها خط أحمر لا يقبل التراخي. اليقظة المشددة والتعامل الندي الفوري مع مصادر التهديد باتت مطلباً شعبياً ومؤسسياً لحماية أفراد ومجموعات الأمن العام في الميدان.
  2. الحفاظ على الحاضنة الشعبية: يدرك الأردن أن قوة أجهزته الأمنية نابعة تاريخياً من التفاف الشعب حولها. وبالتالي، يجب أن تُصاغ “استراتيجية الشك” بذكاء واحترافية؛ بحيث تظل موجهة ضد بؤر التطرف والخلايا الكامنة، دون أن تتحول إلى تضييق عشوائي يُشعر المواطن المخلص بالاغتراب في وطنه.

الهجوم الإرهابي اليوم يؤكد أن الأردن لا يزال مستهدفاً في أمنه الداخلي من جماعات تسعى لزعزعة استقراره. وفي الوقت الذي نترحم فيه على روح الشهيد السلايطة، فإن مراجعة سياسات الأمن العام غدت ضرورة ملحة. وإن الشك الافتراضي في السياق الأمني لم يعد ترفاً فكرياً، بل آلية دفاع حتمية تفرضها وحشية الإرهاب ومباغتته، شريطة أن تُدار هذه المقاربة بأدوات الرقابة الذكية والجهد الاستخباراتي الاستباقي، ليبقى الأردن كما كان دائماً، عصياً على الانكسار.

زر الذهاب إلى الأعلى