أقلام حرة

حين يُغتال الأمان … جواد شهيداً وفراس يقاوم الألم

ماجد الشملان

قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾

هناك أوجاع لا تشرحها الكلمات، وجرائم لا تكفيها عبارات الاستنكار، ودماء إذا سُفكت وجب أن تهتز لها ضمائر الأحياء قبل أن تجف على الأرض.

بقلوب يعتصرها الألم، ونفوس يملؤها الغضب، تلقّينا نبأ استشهاد الشاب الأردني جواد السلايطة، ذلك الخبر الذي لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل طعنة في قلب كل أردني، ووجعاً جديداً يُضاف إلى سجل الفقد الذي لم يعد مقبولاً أن يستمر.

رحل جواد، لكن خلفه أماً ستبحث عنه في تفاصيل البيت، وأباً سيبقى اسمه حاضراً في دعائه، وأهلاً لن تعوّضهم الدنيا عن غيابه، وأحبة سيظل مكانه بينهم شاهداً على فاجعة لا تمحوها الأيام.

أيُّ قسوة هذه التي تجعل الإنسان يستسهل سفك دم إنسان؟

وأيُّ فكر هذا الذي يتخذ من العنف طريقاً، ومن الاعتداء على الأرواح وسيلة لفرض نفسه؟

إن ما نشهده من جرائم واعتداءات مرتبطة بالفكر المتطرف والمنحرف، ومنها فكر الخوارج، يستدعي وقفة لا تعرف المجاملة ولا تقبل أنصاف الحلول. فلا قداسة لفكر يستبيح الدماء، ولا عذر لمن يروّع الآمنين، ولا مكان بيننا لمن يعتقد أن القوة في حمل السلاح بدلاً من احترام القانون وحرمة الإنسان.

لقد تعبنا من الحزن، وتعبت العائلات الأردنية من تلقي أخبار الفقد، ولم يعد مقبولاً أن نكتفي ببيانات التعزية بعد كل جريمة، ثم نعود وكأن شيئاً لم يكن بسبب أنه لا يرتدع الجناه ولا يرتدع من يدعمهم والوطن يحتضن الجميع .

نريد إجراءات، ومحاسبة لا تعرف الرحمة بهم ، وعدالة لا تتأخر كما عهدناها ، وموقفاً حازماً يضع حداً لكل من تسوّل له نفسه العبث بأمن الناس واستباحة دمائهم.

فالأمن ليس شعاراً يُرفع، بل مسؤولية تُترجم إلى حماية حقيقية لأرواح المواطنين.

أما أنت يا فراس العنانزة…

فلك من القلب دعاء لا ينقطع، ومن وجدان الأردنيين محبة لا تصفها الكلمات.

يا فراس، يا من يرقد جسدك اليوم على فراش الألم، هناك قلوب كثيرة ترقد معك في وجعها، وأيدٍ ترتفع إلى السماء في كل صلاة تسأل الله أن يكتب لك النجاة والشفاء.

نريد أن نراك واقفاً من جديد، نريد أن نسمع صوتك، وأن تعود إلى أهلك الذين ينتظرون عودتك، وإلى رفاقك الذين يترقبون لحظة الاطمئنان عليك.

يا فراس، لا تستسلم للألم، فهناك أمٌّ تنتظر أن تراك، وأبٌ يدعو الله أن يردك إليه سالماً، وأهل وأحبة لا يريدون من الدنيا في هذه اللحظة سوى أن تفتح عينيك وتعود بينهم.

غيابك موجع، وانتظار خبر شفائك ثقيل على قلوب محبيك، لكن أملنا بالله أكبر من كل خوف، ورجاؤنا برحمته لا ينقطع.

انهض يا فراس، فمكانك بين أهلك محفوظ، وعودتك فرحة ينتظرها كثيرون. تعافَ يا ابن الأردن، عافاك الله من كل ألم، وردّك إلى أحبابك سالماً معافى، مرفوع الرأس، تملأ الحياة من جديد.

وإلى كل من يستهين بأرواح الناس نقول: تذكّروا أن وراء كل إنسان عائلة، وأن وراء كل جريمة بيوتاً تنهار وقلوباً تنكسر وأمهات لا تجف دموعهن.

كفى دماً… كفى رعباً… كفى فواجع… كفى أن يدفع الأبرياء ثمن فكر منحرف أو جريمة لا تعرف الرحمة.

إن الأردن ليس ساحة للفوضى، ولن يكون أمنه مستباحاً، ولن نقبل أن تتحول شوارعنا إلى أماكن للخوف، أو أن تصبح حياة أبنائنا معلّقة بنزوة مجرم أو تطرف صاحب فكر ظلامي.

رحم الله الشهيد جواد السلايطة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله الصبر والقوة، وحفظ الله فراس العنانزة وألبسه ثوب الصحة والعافية.

حفظ الله الأردن، شعباً وأرضاً وقيادة، تحت ظل الراية الهاشمية بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، وسمو ولي عهده الأمين.

وختاماً نقولها بوجعٍ وغضبٍ وإيمان: لن تكون دماء أبنائنا أرقاماً في الأخبار، ولن يكون الحزن قدراً نعتاد عليه، ولن تكون حياة الأردنيين أمراً قابلاً للمساومة.

جواد في رحمة الله، وفراس في دعائنا، والعدالة حق لن نتنازل عنه.

حفظ الله الأردن وأبناءه من كل مكروه.

زر الذهاب إلى الأعلى