
“كَون”… سلالم لا تقود إلى السماء
الشاهين الإخباري – دعاء مأمون
هناك عروض تدخل إليها وأنت تعرف منذ البداية أنك ستظل تراقبها من الخارج. تنتبه إلى الممثل، وإلى الضوء، وإلى الحركة، وتظل المسافة بينك وبين الخشبة موجودة مهما كان العمل جيدا.
مع “كَون” حدث معي شيء مختلف.
في لحظة ما نسيت أنني أجلس لأكتب نقدا، واستمتعت بالعرض.
ولم يكن السبب أن العرض اختار موضوعا سهلا أو قدم حكاية يمكن الاستسلام لها من دون جهد. على العكس تماما. نحن أمام تجربة تذهب إلى منطقة واسعة جدا: الإنسان في هذا الكون، محاولاته، ألمه، تعلقه بالنجاة، حاجته إلى الأمل، وما الذي يبقى منه بين شهقة الميلاد ورعشة الموت.
مثل هذه الأفكار يمكن أن تثقل أي عرض بسرعة.
لكن ما أنقذ “كَون” بالنسبة إلي هو أن الفكرة لم تبق في الرأس. نزلت إلى الجسد.
منذ البداية كان واضحا أن الممثلين لا يتعاملون مع أجسادهم باعتبارها الوسيلة التي تنقل الحوار فقط. الجسد نفسه كان يكتب جزءا كبيرا من العرض. أجساد مشدودة، أخرى منحنية، امتداد نحو الآخر، سقوط، ارتكاز، تشابك، محاولات للوصول ثم انفصال من جديد.
وفي التشكيلات الجماعية كان هذا أكثر وضوحا.
مرة تبدو الأجساد كأنها كتلة واحدة، ثم تتفكك فجأة. ومرة يخرج أحدها من المجموعة كأنه يحاول النجاة وحده، قبل أن تعيده الحركة مرة أخرى إلى الآخرين. لم أشعر أن الممثلين يقفون في أماكنهم بانتظار دورهم في الكلام. حتى الصمت كان يحتاج منهم إلى حضور جسدي.
هذه النقطة جعلتني أفكر في مايرهولد وفي البيوميكانيك، لا لأنني أرى “كَون” تطبيقا لنظامه أو أحتاج إلى وضعه داخل تعريف نظري، بل لأن الجسد هنا لم يكن مجرد حامل للنص. كان قادرا على إنتاج المعنى بنفسه.
في أفضل لحظات العمل كنت أفهم التوتر من الجسد قبل أن أعرف سببه، وأشعر بالمقاومة قبل أن يقال شيء عنها، وأرى التعب يتراكم في الحركة لا في التعبير اللفظي وحده.
هذا النوع من الأداء يحتاج إلى ممثلين يعرفون أجسادهم ويثقون ببعضهم، لأن الخطأ هنا لا يفسد حركة فقط، بل يكسر الصورة كاملة. وما لفتني أن الانسجام بينهم كان عاليا إلى درجة أنني لم أعد أفكر كثيرا في الأداء الفردي لكل واحد منهم.
كانت المجموعة هي التي تعمل.
والجميل أن هذا الانسجام لم يجعلهم متشابهين. بقي لكل جسد حضوره وطريقته، لكنهم كانوا يعرفون كيف يدخلون في إيقاع واحد ويخرجون منه.
حتى الصوت كان جزءا من هذه العلاقة.
الأصوات وصلت بقوة ووضوح، ولم أشعر بأن الممثل يحتاج إلى أن يرفع صوته طوال الوقت كي يثبت انفعاله. كان هناك وعي بالنفس وبخروج الجملة من جسد يعيش حالتها، لا من ممثل توقف عن الحركة لكي يلقي كلامه ثم يعود إليها.
لهذا شعرت أن العرض “حي” أكثر مما هو “مقول”.
فالموضوع الذي يتناوله “كَون” قادر جدا على التحول إلى محاضرة فلسفية. يستطيع أي نص أن يتحدث عن الأمل والعدم والوجود والإنسان ومصيره، لكن المسرح يبدأ بالنسبة إلي حين تتحول هذه الكلمات إلى شيء أستطيع أن أراه أمامي.
وفي “كَون” رأيت إنسانا يتشبث.
الحبال والسلالم النازلة من أعلى لم تكن خلفية للأداء. كانت جزءا من العلاقة بين الإنسان وما يبحث عنه.
نحن نتعلق بأشياء طوال الوقت: بشخص، بفكرة، بوعد، بأمل لا نملك عليه دليلا كاملا، أو بطوق نجاة قد لا ينجينا أصلا لكن مجرد وجوده يمنحنا القدرة على مواصلة السباحة. وأحيانا نتعلق بالألم نفسه، لأن التخلي عنه يعني أن نعترف بأن جزءا مما عشنا من أجله انتهى.
هذه القراءة جاءتني من رؤية الأجساد وهي تتعامل مع ما يتدلى فوقها وحولها. السلم موجود، لكن الوصول ليس مؤكدا. والحبل يمكن أن يكون سندا كما يمكن أن يبدو قيدا. والمسافة إلى الأعلى تظل موجودة مهما تحرك الممثل.
هنا بدأت أفكر في معنى الأمل داخل العرض.
ليس باعتباره تفاؤلا ساذجا.
الإنسان لا يتمسك بالأمل لأنه يضمن النتيجة، بل لأنه يحتاج إلى شيء يسمح له بأن يواصل.
الحياة نفسها تفعل بنا هذا باستمرار. تخطئ، وتحاول أن تصلح ما أفسدته، وتخسر شيئا، ثم تبحث عن سبب جديد يكفي كي تبدأ صباحا آخر.
منذ شهقة الميلاد الأولى ونحن نتعلق بالحياة قبل أن نعرف حتى معنى التعلق بها. ثم تكبر معنا الأشياء؛ يكبر الخوف، وتكبر الأخطاء، وتكبر الحاجة إلى النجاة.
وعندما أفكر في “كَون” لا أستطيع أن أفصل الأمل عن الألم كما لو كانا طرفين متعارضين. في أحيان كثيرة يولد أحدهما من الآخر. نحن نحتاج إلى الأمل تحديدا لأن الألم موجود.
لذلك لم أشعر أن العرض يقدم الإنسان بوصفه كائنا منتصرا. هو يحاول أكثر مما ينتصر.
حتى السينوغرافيا كانت تساعد على إبقاء الإنسان داخل هذا الحجم الصغير.
العناصر المتدلية من أعلى، والسلالم، والستائر أو الأقمشة الممتدة في الفضاء، تركت حول الممثلين مساحة أكبر منهم. لم تكن هناك محاولة لملء الخشبة بأشياء كثيرة، وهذا خدم العمل، لأن الفراغ نفسه أصبح حاضرا.
في بعض الصور كان الممثل واقفا بينما الضوء يمر عبر جسده أو خلفه، فيبدو للحظة كأنه جزء صغير من فضاء لا يملك السيطرة عليه. وفي صور أخرى تتحول المجموعة إلى تكوين واحد داخل الضوء، ثم يخرج منها جسد أو ينكسر الخط.
الضوء هنا لم يكن عنصرا تجميليا. خدم الحالات كثيرا.
وحين تتغير درجاته يتغير الضغط على الجسد نفسه. الأحمر مثلا لم يكن مجرد لون قوي في الخلفية؛ كان يجعل المشهد أكثر توترا، وتبدو الأجساد داخله أقرب إلى الانفجار. وفي حالات أخرى كانت البرودة والظلال تمنح المشهد اتساعا ووحدة مختلفة تماما.
المادة الفيلمية في الخلفية أضافت طبقة أخرى إلى العرض، لكنها لم تسحبني من الممثل الحي.
وهذا أمر مهم بالنسبة إلي في أي مسرح يستخدم الصورة المسجلة. الفيديو يمكنه أن يوسع المكان، ويمنحنا صورة لا تستطيع الخشبة إنتاجها بالطريقة نفسها، لكن الخطر دائما أن تصبح الشاشة أكثر إغراء من الإنسان الموجود أمامنا.
في “كَون” بقيت عيناي تعودان إلى الجسد.
لأن الصورة المصورة تستطيع أن تمنحك فضاء واسعا، أما الممثل الذي يتنفس أمامك ويختل توازنه ويحاول أن يحمل جسدا آخر فحضوره مختلف تماما. هناك هشاشة لا تمنحها الشاشة بالطريقة نفسها، لأن الإنسان أمامك يفعل الشيء الآن.
ولهذا كان الأداء من أكثر عناصر العمل إقناعا بالنسبة إلي.
أما الفكرة التي بقيت معي بعد العرض فهي أن “الكون يسكننا” بقدر ما نسكنه.
بدت لي هذه الفكرة أوسع من مجرد علاقة الإنسان بالفضاء الخارجي. نحن نحمل داخلنا الشيء نفسه الذي نحاول فهمه في الخارج: الفوضى، والتناقض، والرغبة في الحركة والخوف منها، والحاجة إلى الآخر والرغبة في الابتعاد عنه، والبحث عن معنى ثم الشك فيه.
وقد ذكرتني التجربة بشيء من المعرفة الصوفية، لكنني أتوقف هنا عند حدود الإحساس الذي تركه العرض عندي، لا عند تصنيفه.
هناك في التصوف فكرة أحبها دائما: أن الإنسان قد يقضي عمره وهو يتعلم الأشياء بعقله، ثم يحتاج في لحظة ما إلى أن يعيد التعرف إليها بقلبه.
“كَون” جعلني أفكر في هذا.
نحن نعرف ما هو السلم، وما معنى الصعود، وما معنى أن يصل الإنسان إلى مكان أعلى. لكن ماذا لو كانت المشكلة في هذه المعرفة نفسها؟ ماذا لو كنا قد صدقنا، من دون أن نسأل كثيرا، أن الحياة مسار صاعد وأن القيمة موجودة في النهاية؟
العرض لم يجعلني أبحث عن إجابة محددة لهذا السؤال، وهذا خدمه.
ما بقي معي لم يكن صور وصول، بل صور محاولة: جسد يمد يده إلى آخر، مجموعة تتحرك كأنها تنتمي إلى كائن واحد ثم تتفرق، شخص يقف وحيدا داخل الضوء، وتلك الحبال والسلالم التي تظل فوق الجميع.
هذه التفاصيل هي التي جعلتني أفكر في التطهر الذي يمكن أن يمر به الإنسان بين بداية حياته ونهايتها.
لا أقصد تطهرا مثاليا يصل بعده الإنسان إلى حالة نقية كاملة. الحياة لا تبدو لي بهذه البساطة، والعرض لم يقدمها كذلك.
أفكر أكثر في ذلك التخفف البطيء الذي تفرضه علينا الأيام. نتعلم أن أشياء كثيرة ظننا أنها مركز حياتنا لم تكن كذلك، ونكتشف حجمنا الحقيقي، ونفقد أشخاصا وأفكارا ويقينيات، ونحاول أن نصلح ما تبقى منا قدر ما نستطيع.
وفي كل مرة نظن أننا عرفنا أنفسنا، يحدث شيء يعيد السؤال من أوله.
لهذا كان تعلق الإنسان بالأمل في “كَون” مؤثرا بالنسبة إلي، لا لأن العرض يعده بالخلاص، بل لأنه لا يملك، على ما يبدو، طريقة أخرى للاستمرار.
وهنا أعود إلى ما جعل التجربة ناجحة عندي أصلا.
لو بقيت كل هذه الأفكار في الكلام، لما وصلت إلي بالطريقة نفسها.
أنا أتذكر أجساد الممثلين أكثر مما أتذكر الجمل. أتذكر التكوينات، والضوء، والسلالم، والأيدي التي امتدت، وطاقة مجموعة من الممثلين كانوا يعرفون أن أجسادهم ليست زينة حول النص.
خرجت من “كَون” وأنا لا أفكر كثيرا في حجم الإنسان داخل الكون، بقدر ما أفكر في الأشياء التي يظل متعلقا بها وهو يعبر حياته؛ بعضها ينقذه، وبعضها يثقله، وقد يمضي وقت طويل قبل أن يعرف الفرق.











