
مهرجان المحترفين… وأسئلة بقيت مفتوحة
الشاهين الإخباري – دعاء مأمون
لم تغادرني كلمة “المحترفين” طوال أيام المهرجان.
هي ليست مجرد إضافة إلى الاسم. حين أذهب إلى مهرجان يحمل هذه الصفة، فإنني أدخل القاعة بسقف مختلف من التوقع. لا أبحث عن الكمال، ولا أفترض أن الخبرة تحمي صاحبها من الضعف، لكنني أنتظر أثرا للممارسة ولوعي الفنان بما يفعله فوق الخشبة.
ولهذا كان بعض ما شاهدته مربكا، وبعضه الآخر جعلني أفهم معنى الاحتراف بصورة أوضح مما يمكن لأي تعريف أن يقوله.
في “كَون” مثلا، لم تكن الفكرة هي التي قادتني وحدها إلى العرض. الفكرة كبيرة أصلا، وربما أكبر من أن تحتملها الخشبة بسهولة: الإنسان، وجوده، ألمه، محاولته أن يجد ما يتعلق به وهو يعبر حياته. وكان ممكنا جدا أن تتحول هذه المادة إلى كلام فلسفي ثقيل. لكنها في أفضل لحظاتها نزلت إلى أجساد الممثلين.
هناك رأيت شيئا أبحث عنه في المسرح: الممثل لا ينتظر دوره كي يتكلم. الجسد يعمل، والصوت يخرج من حالة لا من رغبة في إثبات الانفعال، والمجموعة تعرف بعضها إلى درجة أن التشكيل نفسه يصبح معنى. الضوء والسلالم والعناصر المتدلية والفيديو لم تكن أشياء موضوعة حول الممثل كي يبدو العرض جميلا؛ كانت جزءا من طريقته في التفكير. والأهم أن الصورة لم تطرد الإنسان من الخشبة. بقي الممثل الحي هو المركز.
هذا بالنسبة إلي احتراف.
لا علاقة له بعمر الفنان.
هو أن يعرف أداته، وأن يعرف متى يحتاج إلى الكلام ومتى يستطيع أن يستغني عنه.
ومن هنا تحديدا جاءت مشكلتي مع أجزاء من عروض أخرى.
في “تمرين على الحرية” كانت هناك صورة لا تزال أقوى عندي من كثير من الحوار الذي أحاط بها: أربعة أشخاص يدفعون عجلة كي يستمر الهواء. لا تحتاج الصورة إلى محاضرة عن السلطة والطاعة. أجساد تبذل طاقتها حتى تحصل على حقها في التنفس، وهذا وحده كان كافيا كي يضعني داخل الفكرة.
لكن العرض لم يثق دائما بما صنعه.
كان يعود إلى الشرح بعد أن تكون الصورة قد وصلت. بعض المواجهات استمرت بعد أن أخذت معناها، والأداء في مساحات منه اتكأ على الصراخ والانفعال الخارجي أكثر مما جعلني أرى الجوع والبرد ونقص الأكسجين وهي تغير الأجساد فعلا. وحتى العلاقة بين الممثلين لم تكن دائما بالقوة التي تجعلني أصدق أن أربعة أشخاص يعيشون مأزقا واحدا تحت ضغط واحد.
وهنا لا أتحدث عن تفصيل تمثيلي صغير.
إذا كان العرض يضع الإنسان تحت شروط جسدية قاسية، فالجسد هو أول مكان يجب أن أرى فيه أثر هذه الشروط.
وهذا أيضا من الاحتراف.
أن تقول لي الخشبة ما يحدث قبل أن يضطر الممثل إلى شرحه.
في “في انتظار الخلاص” ظهرت المشكلة بطريقة أخرى. كان العمل يحمل قضية لا تحتاج إلى إثبات عدالتها، وفيه صور تمتلك في ذاتها قوة مسرحية حقيقية: جسد أصابه الخراب، وركام، وامرأة تنخل التراب بحثا عن عظام، وانتظار لا ينتهي. بعض هذه الصور كان قادرا على حمل وجع كامل من دون أن يتقدم أحد ليخبرني ماذا يعني.
لكن الكلام كان يعود.
والشرح كان يعود.
وفي لحظات شعرت أن القضية نفسها أصبحت أثقل على المسرح من أن يتركها تعيش بهدوء. كأن عدالة الموضوع تفرض على العرض أن يقول كل ما يعرفه عنه.
وهنا يظهر عندي فارق أساسي لا يتعلق بهذا العرض وحده: الموضوع الكبير لا يصنع بالضرورة مسرحا كبيرا.
يمكن أن تحمل أكثر القضايا عدالة، ثم تخسرها فنيا إذا جعلت الشخصيات تشرحها بدلا من أن تعيشها. ويمكن لصورة صغيرة، إذا كانت دقيقة، أن تكون أكثر قوة من خطاب كامل.
في ذلك العرض تحديدا كان هناك سؤال أصعب أيضا: أين يذهب الثقل الدرامي؟ من يملك الفعل ومن يملك الكلام؟ حين تحصل شخصية السمسار على مساحة للتحول والانهيار والفعل، بينما تضطر الضحية طويلا إلى شرح ألمها وإنسانيتها وقضيتها، يصبح توزيع الطاقة داخل العرض نفسه جزءا من الموقف الذي ينتجه، بصرف النظر عن النوايا.
وهذا ما يجعل النقد ضرورة حتى حين تكون القضية عادلة.
بل ربما يصبح أكثر ضرورة.
وفي “جزيرة وسطية” ظهرت أمامي مفارقة أخرى مرتبطة بفكرة الاحتراف نفسها.
كان المخرج شابا، ولم أر في ذلك مشكلة. على العكس، كانت أمامه فرصة حقيقية ليظهر قدرته الإخراجية وهو يعمل مع ممثلين محترفين ومؤلف محترف؛ أي أن كثيرا من العناصر التي يحتاجها المخرج لبناء عرض قوي كانت موجودة بالفعل.
لكن ما ظهر على الخشبة بقي أضعف من هذه الإمكانات.
لم أشعر أن هناك رؤية إخراجية استطاعت أن تجمع النص والممثلين والإيقاع والصورة في اتجاه واحد. وبدا في بعض اللحظات أن خبرة الممثلين تحمل المشهد أكثر مما يحمله البناء الإخراجي نفسه، مع أن وجود ممثل محترف يفترض أن يفتح أمام المخرج مساحة أكبر ليذهب أبعد، لا أن يترك الممثل يعتمد على خبرته وحدها.
وهنا كانت خسارة العرض أكبر، لأن ضعف الإخراج لم يبق مشكلة منفصلة. وصل إلى الفكرة نفسها وأضعفها.
كان أمام مخرج شاب ظرف مهني حقيقي ليقول من خلال الخشبة إنه قادر على العمل داخل مستوى “المحترفين”. وهذه هي الفرصة التي كنت أتمنى أن أراها مكتملة أكثر في “جزيرة وسطية”.
وحين وضعت هذه العروض إلى جوار بعضها، بدأت أرى شيئا تكرر بأشكال مختلفة في الدورة: أفضل اللحظات كانت في الغالب تلك التي وثق فيها المسرح بأدواته.
جسد يقول قبل الحوار.
صورة تبلغ معناها من دون تعليق.
ضوء يغير علاقتنا بالمشهد.
ممثل لا يحتاج إلى الصراخ كي يثبت أنه يتألم.
ومشهد يعرف متى ينتهي.
أما حين خافت بعض الأعمال من أن يضيع المعنى، بدأت تزيد الكلمات، أو تطيل الصورة بعد أن وصلت، أو تعيد تفسير ما كان قد أصبح واضحا.
وهذه ليست مسألة ذوق بسيطة بالنسبة إلي، خصوصا في مهرجان للمحترفين.
المحترف لا يملك أدوات أكثر فقط؛ يعرف متى يتوقف عن استخدامها.
كان هناك أيضا إسفاف وإيحاء في بعض اللحظات لم أجد لهما دائما ما يكفي من الضرورة داخل العرض.
الخشبة ليست مطالبة بأن تكون لطيفة أو مطمئنة. المسرح يستطيع أن يدخل أكثر المناطق حساسية، وربما عليه أن يفعل ذلك أحيانا. لكن القدرة على إحداث الصدمة لا تجعل المشهد جريئا تلقائيا.
حين تدخل حركة أو عبارة أو إيحاء، أريد أن أعرف ماذا فعلت في التجربة. إذا كان حذفها لا يغير شيئا إلا مقدار رد الفعل في الصالة، تصبح المسألة بالنسبة إلي موضع سؤال.
الاحتراف يجعلني أكثر تشددا هنا أيضا.
المخرج المحترف لا يصدم لأن الصدمة متاحة. يعرف لماذا اختارها، وما الذي كان سيخسره العرض من دونها.
ومن هنا عدت إلى السؤال الذي رافقني طوال الدورة: من هو المحترف الذي يقصده المهرجان؟
العمر لا يكفي للإجابة.
قد يقدم فنان شاب عملا أكثر اكتمالا من شخص سبقه بعشرين عاما، وقد يهزمه في المنافسة عن استحقاق. لا أرى في ذلك ظلما، بل قد يكون واحدا من أجمل الأشياء التي يمكن أن تحدث في مهرجان.
لكن الخبرة ليست وهما أيضا.
المؤلف الموسيقي الذي بدأ تجاربه مع المسرح لا يحمل التراكم نفسه الذي يحمله من اشتغل سنوات في هذا المجال. ومصمم الإضاءة في بدايته لا يقف في المرحلة نفسها مع من راكم علاقة طويلة بالخشبة. وكذلك المخرج.
هذا لا يخبرني من يجب أن يفوز.
لكنه يجعلني أريد أن أعرف ما الذي يعنيه المهرجان بكلمة “محترف”.
هل هناك معيار للممارسة المستمرة؟ عدد من الأعمال؟ سيرة فنية؟ تجربة مهنية؟ أم أن قبول العرض في المسابقة يجعل كل المشاركين في الفئة نفسها؟
إذا كانت رؤية المهرجان أن يضع الجيل الجديد مع أصحاب التجارب الطويلة في منافسة واحدة، فهذه رؤية يمكن أن تكون مفيدة، وربما يكون المسرح الأردني بحاجة إلى هذا الاحتكاك. لكن الاختلاف في مراحل الخبرة لا يختفي لمجرد أننا وضعنا الجميع في القائمة نفسها.
وقد يكون من الممكن الاعتراف بهذه المراحل داخل فئات أو مساحات مختلفة، من دون عزل الشباب عن المحترفين أو معاملتهم كدرجة أدنى.
لأنني في النهاية لا أريد جائزة للمخضرم لأنه مخضرم.
ولا جائزة للشاب لأنه شاب.
أريد أن يكون العمل هو الذي فرض نفسه.
وتزداد حساسية هذا السؤال مع غياب أسماء وفرق صاحبة تجربة عن هذه الدورة.
لا أعرف ظروف كل فرقة، ولا من تقدم ومن لم يتقدم، ولا أسباب قبول كل عمل أو استبعاد آخر. لذلك لا أستطيع أن أصف كل غياب بالظلم.
لكن مهرجانا يحمل اسم “المسرح الأردني للمحترفين” سيبقى مطالبا، مع مرور الدورات، بأن يجيب عن سؤال التمثيل نفسه: هل يرى أصحاب التجارب المهنية أن هذه المساحة تخصهم فعلا؟
ليس مطلوبا أن يشارك الجميع.
لكن الاسم أوسع من قائمة عروض.
الجوائز فتحت بابا آخر.
الخلاف مع لجنة التحكيم طبيعي. لا توجد جائزة فنية تستطيع أن تلغي اختلاف النظرة، ولا أريد منها ذلك.
ما استوقفني هو الكلام الذي سبق إعلان النتائج.
كانت هناك أحاديث عن أسماء وجوائز قبل حفل الختام. قد تكون مجرد توقعات. الوسط المسرحي صغير، والناس شاهدوا العروض نفسها، ويعرفون تجارب بعضهم، وليس مستغربا أن يحاولوا تخمين النتيجة.
لكن إذا كان ما جرى تداوله قبل الإعلان قد اقترب كثيرا مما ظهر لاحقا، فكيف حدث ذلك؟
لا أملك ما يثبت أن النتائج سُرّبت، ولذلك لا أستطيع كتابتها كواقعة.
السؤال مع ذلك موجود.
والمشكلة أن مثل هذا السؤال لا يؤذي من لم يفز فقط. الفائز نفسه يحتاج إلى أن يحصل على جائزته من دون أن يرافقها كلام يقول إن النتيجة كانت معروفة قبل أن تصعد اللجنة إلى المنصة.
والكلام عن المحسوبيات والواسطات كان موجودا أيضا.
هذه كلمات ثقيلة، ويمكن أن تظلم الناس بسهولة. الوسط الفني الأردني ليس كبيرا، والعلاقات المهنية والشخصية متداخلة بحكم طبيعته. لذلك لا يمكن أن تتحول معرفة شخص بشخص إلى دليل على المحاباة.
لكن هذا هو بالضبط ما يجعل المعايير الواضحة أكثر أهمية.
حين يعرف المشاركون كيف اختيرت الأعمال، وما الذي حكم المنافسة، وعلى أي أساس فضلت تجربة على أخرى، تقل الحاجة إلى البحث عن تفسير خلف النتيجة.
لا أريد أن أعرف أسرار لجنة التحكيم، ولا أرى أن على اللجنة أن تدافع عن كل اختيار أمام الجمهور.
لكن من حق المهرجان أن يحمي نفسه من الشبهة، ومن حق الفائز أيضا.
ثم ظهرت مسألة لجنة التحكيم نفسها.
أعلنت اللجنة في بداية المهرجان بخمسة أعضاء، وفي الختام ظهر تشكيل من أربعة أسماء في المادة المتعلقة بعمل اللجنة.
ما الذي حدث؟
إذا كان أحد الأعضاء قد تنحى، ففي أي مرحلة؟ هل شاهد بعض الأعمال وشارك في تقييمها؟ هل دخلت آراؤه أو درجاته في جزء من المداولات؟ وكيف استكملت اللجنة عملها بعد ذلك؟
سبب التنحي الشخصي، إن كان هناك تنح فعلا، قد لا يكون من حقنا معرفته.
لكن أثر تغير تشكيل لجنة التحكيم على عملية التحكيم نفسها ليس مسألة شخصية.
وكان من الأفضل أن توجد إجابة واضحة حتى لا يترك هذا الفراغ لكل واحد كي يملأه بطريقته.
السينوغرافيا دخلت هي الأخرى دائرة الكلام، ووصل الوصف إلى “السرقة الفنية”.
الكلمة أكبر من أن تستخدم من دون دليل.
لكن الحديث عن تشابه حلول بصرية مع أعمال سابقة يصبح ذا صلة مباشرة بالمنافسة عندما تكون السينوغرافيا نفسها جائزة مستقلة.
إذا كانت هناك مادة مقارنة جدية، فالمفترض أن تفحص. قد تظهر بعدها أن التشابه مجرد تأثر، أو استخدام لعناصر موجودة أصلا في لغة المسرح، وتنتهي المسألة.
أما إذا تجاوز ذلك، يصبح سؤال الأصالة جزءا من تقييم العمل نفسه.
وهذه النقطة تزداد وضوحا بالنسبة إلي بعد مشاهدة عروض استطاعت فيها السينوغرافيا أن تكون نابعة من منطق العرض، لا مجرد شكل جميل. في “كَون”، مثلا، لم أتوقف عند السلالم والحبال والضوء لأن وجودها كان لافتا بصريا فقط، بل لأن الأجساد دخلت معها في علاقة صنعت معنى. هنا تصبح السينوغرافيا جزءا من الكتابة المسرحية نفسها.
وهذا هو المعيار الذي يجعل سؤال الأصالة مهما.
لا يكفي أن تكون الصورة جميلة. نريد أن نعرف ماذا تفعل، ومن أين خرجت، وكيف أصبحت جزءا من هذا العمل تحديدا.
وتوقفت كذلك عند غياب المناصفة في الجوائز.
المناصفة ليست واجبة، ولا أراها طريقة لإرضاء الجميع. لكن قد تصل تجربتان إلى مستوى متقارب جدا، خصوصا في التمثيل أو الموسيقى أو الإضاءة، حيث لا توجد أرقام تستطيع أن تمنحنا فارقا موضوعيا قاطعا.
إذا رأت اللجنة تجربتين بهذا القرب، لماذا لا تكون المناصفة خيارا؟
وإذا كانت اللوائح تمنعها، فقد يكون من المفيد أن تعاد مناقشة هذه النقطة في الدورة المقبلة.
فالتحكيم الفني ليس سباق سرعة. أحيانا يكون الإصرار على اسم واحد أكثر اصطناعا من الاعتراف بأن تجربتين وصلتا إلى مستوى يستحق الجائزة.
كل هذا أعادني أيضا إلى الإيقاع داخل العروض نفسها.
في أكثر من تجربة شاهدت صورة قوية ثم شعرت أنها بقيت على الخشبة أكثر مما ينبغي.
في “تمرين على الحرية” وصلت بعض المواجهات إلى معناها واستمرت بعده. وفي “في انتظار الخلاص” كان فعل التنخيل، مثلا، قادرا على أن يكون صورة مؤلمة جدا، لكنه استمر حتى بدأ يستنزف أثره.
هذه ليست دعوة إلى مسرح سريع.
البطء يمكن أن يكون شديد القوة.
لكن هناك فارقا بين بطء تتغير داخله الأشياء، وبين مشهد وصل إلى ذروته وبقي بعدها لأن المخرج لم يقرر أين يقطع.
معرفة اللحظة التي يجب أن ينتهي فيها المشهد جزء من الصناعة.
ربما لهذا خرجت من هذه الدورة وأنا أفكر في الاحتراف بطريقة مختلفة قليلا عما بدأت به.
لم يعد الأمر عندي مرتبطا فقط بعدد السنوات.
رأيته حين امتلك الممثل جسده وصوته، وحين عملت المجموعة كأنها تعرف بعضها من الداخل، وحين صار الضوء جزءا من التفكير لا مجرد إضاءة، وحين وثق العرض بصورة صنعها فلم يشرحها بعد ذلك.
ورأيت غيابه حين أصبحت الفكرة أكبر من القدرة على تجسيدها، أو حين غطى الصراخ على التحول، أو حين استمر المشهد بعد أن استنفد نفسه، أو حين تعامل العرض مع قضية عظيمة كما لو أن عظمتها تكفي وحدها لتمنحه قيمته الفنية.
هذه الأشياء لا تظهر في شروط الاشتراك.
لكنها تظهر على الخشبة.
ثم جاء حفل الختام.
كان غياب عدد كبير من المسرحيين لافتا.
لا أعرف أسباب الغياب، ولا يمكنني أن أعتبره موقفا موحدا من المهرجان. قد تكون الأسباب مختلفة تماما من شخص إلى آخر.
لكن المشهد نفسه بقي معي.
بعد أيام من العروض والنقاشات واللقاءات، وصلت الدورة إلى نهايتها ولم يكن كثير من أهل المسرح موجودين.
قد لا يكون لذلك علاقة بالجوائز. وقد تكون أسبابه أبسط من كل ما نتخيله. لكنني أتمنى أن تعرف إدارة المهرجان لماذا حدث، لأن نهاية مهرجان للمسرحيين يفترض أن تجمعهم، لا أن تجعل غيابهم واحدا من الأشياء التي نتذكرها.
لا أرى أن الدورة الأولى فشلت، ولا أعتقد أن هذا هو السؤال أصلا.
وجود مهرجان للمسرح الأردني المحترف مهم. وقد أثبتت بعض العروض خلال هذه الدورة أن لدينا ممثلين ومخرجين ومصممين قادرين على إنتاج مسرح يعرف أدواته ويستطيع أن يجعل الصورة والجسد والفضاء تفكر أمامنا.
وهذا تحديدا يجعلني أقل استعدادا للمجاملة في بقية الأشياء.
لأن سقف المقارنة لم يعد خارج المهرجان.
كان موجودا داخله.
حين أشاهد “كَون” وأرى كيف يستطيع الجسد أن يحمل الفكرة، ثم أشاهد عرضا آخر يشرح فكرته مرارا، تصبح المقارنة جزءا من الدورة نفسها. وحين تعطيني عجلة في “تمرين على الحرية” صورة أقوى من كثير من الحوار، فأنا أعرف أن المسرح كان يملك أداة أفضل ثم لم يثق بها دائما. وحين أرى في “في انتظار الخلاص” صورة قادرة على حمل مأساة كاملة، ثم أراها محاطة بالكلام حتى تفقد بعض أثرها، يصبح السؤال عن الصرامة الفنية سؤالا مشروعا.
لهذا فإن كلمة “المحترفين” لا تحتاج عندي إلى تعريف إداري فقط.
تحتاج إلى أن تكون وعدا فنيا أيضا.
وعدا بأن العمل سيعامل المتفرج كشريك لا كتلميذ.
وأن القضية الكبيرة لن تكون بديلا عن المسرح.
وأن الممثل سيحضر بجسده قبل صوته العالي.
وأن الصورة لن تستمر بعد موتها.
وأن السينوغرافيا لن تكون مجرد زينة.
وأن الجوائز ستخرج من عملية يستطيع الوسط أن يختلف معها من دون أن يفقد ثقته بها.
ربما كان هذا هو الاختبار الحقيقي للدورة الأولى.
ليس أن نحصي من فاز ومن خسر.
بل أن نعرف، بعد أن انتهت العروض وأطفئت الأضواء، إن كانت كلمة “المحترفين” قد أصبحت أوضح مما كانت عليه عند الافتتاح.
بالنسبة إلي، ما زال فيها ما يحتاج إلى جواب.








